حمّى التزكيات تحرق ما تبقّى من ثقة: حين تتحول السياسة إلى سباق “جري يا تاعس”

في كل محطة انتخابية، تعود نفس الأسطوانة: صراع محموم حول التزكيات، كأنها غنيمة حرب لا مسؤولية تمثيل. لكن هذه السنة، يبدو أن المشهد في الدار البيضاء بلغ مستوى أكثر حدّة، حيث لم تعد المعايير مرتبطة بالكفاءة أو القرب من المواطنين، بل بمنطق الإقصاء وإعادة ترتيب الولاءات.
في بعض الدوائر، يتم إبعاد رؤساء مقاطعات راكموا تجربة ميدانية، ونسجوا علاقات مباشرة مع الساكنة، فقط لأنهم لا ينسجمون مع حسابات فوقية ضيقة. هنا تتحقق فعلاً المقولة الشعبية: “جري يا تاعس من سعد الناعس”، حيث يُقصى من اشتغل، ويُكافأ من ينتظر.
الأخطر من ذلك، هو استمرار ظاهرة “مرشح الباراشيت”، ذاك الذي يُنزَل فجأة على دائرة انتخابية لا يعرف تضاريسها الاجتماعية ولا حدودها الترابية، لكنه يحمل “مباركة” من فوق. هذا النموذج لا يُضعف فقط مصداقية العملية الانتخابية، بل يضرب في العمق فكرة التمثيلية، ويحوّل الانتخابات إلى مجرد توزيع للنفوذ.
أما الدوائر التي تضم أكثر من مقاطعة، فتعيش حالة ترقّب قاتل، في انتظار كلمة الفصل من القيادة المركزية، وكأن القرار المحلي لا وزن له. هذا الانتظار يعكس أزمة ثقة داخلية، ويؤكد أن الديمقراطية الحزبية ما زالت مؤجلة.
في المقابل، تقف أحزاب أخرى في وضعية “التربص السياسي”، تنتظر سقوط الغاضبين من أحزابهم لتلتقطهم وتعيد تدويرهم، دون أي مراجعة حقيقية للبرامج أو الرؤى. وكأن المواطن مجرد رقم في معادلة انتخابية، لا فاعل أساسي في صنع القرار.
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد تدبير داخلي للتزكيات، بل اختبار حقيقي لمدى احترام الأحزاب لذكاء المواطنين. فإما أن تُعيد هذه الأخيرة الاعتبار لمنطق القرب والكفاءة، أو تستمر في إنتاج نفس الوجوه بنفس الأساليب، مع ما يحمله ذلك من عزوف متزايد وفقدان للثقة.
السياسة ليست لعبة كواليس، ولا سباق مواقع… إنها التزام ومسؤولية. وكلما غابت هذه الحقيقة، تحوّلت الانتخابات إلى مسرحية مكررة، بوجوه تتغير وأدوار لا تتبدل.




