الجماهير “حصان خاسر” في سوق السياسة

في مشهد يعيد إلى الواجهة جدل توظيف الشعبية الرياضية في السياسة، اختار طلال، عضو مكتب الوداد الرياضي سابقا، خوض غمار الانتخابات باسم حزب التقدم والاشتراكية، فيما قرر إبراهيم النعناعي، المرتبط بمحيط الرجاء الرياضي، بدوره دخول السباق الانتخابي. خطوة تعكس استمرار رهان قديم على جمهور الكرة كخزان انتخابي محتمل، رغم كل المؤشرات التي تؤكد محدودية هذا الخيار.
ففي السنوات الأخيرة، سعت بعض الأحزاب إلى استقطاب أسماء من عالم التسيير الرياضي، على أمل تحويل وهج المدرجات إلى أصوات انتخابية. غير أن هذا التصور، الذي بدا مغرياً في الظاهر، سرعان ما اصطدم بواقع مغاير، حيث أثبتت التجارب أن الشعبية الكروية لا تُترجم بالضرورة إلى ثقة سياسية.
محطات سابقة، خاصة مع مسيرين ارتبطوا بأندية مثل أولمبيك آسفي، أظهرت أن الانتقال من تسيير الفرق إلى تدبير الشأن العام ليس مساراً مضموناً. بل إن بعض هذه التجارب انتهت بإخفاقات انتخابية واضحة، وأحياناً بمتابعات قضائية أو تراجع في الحضور السياسي، ما عمّق الشكوك حول جدوى هذا “الاستثمار الانتخابي”.
الأكثر دلالة، أن جماهير الأندية، رغم حماسها داخل الملاعب، لم تُبد نفس الحماس داخل مكاتب التصويت. ففي مناطق تُعد تقليدياً معاقل لأنصار الرجاء أو الوداد، لم يحصل مرشحون محسوبون على هذه الأندية على الدعم المتوقع، ما كشف عن وعي انتخابي متزايد يفصل بين التشجيع الرياضي والاختيار السياسي.
هذا التحول يعكس تغيراً في سلوك الناخب المغربي، الذي بات أكثر ميلاً لتقييم البرامج والوعود بدل الانجذاب إلى الأسماء اللامعة. كما يسلط الضوء على أزمة داخل بعض التنظيمات الحزبية، التي فضلت استقطاب وجوه جاهزة بدل الاستثمار في بناء نخب سياسية قادرة على التأطير والتراكم.
اليوم، ومع عودة نفس الرهان عبر ترشيحات جديدة، يبدو أن الدرس لم يُستوعب بعد. فالتعويل على جمهور المدرجات للفوز بمقعد برلماني لا يعدو أن يكون، في نظر كثيرين، مطاردةً لسراب وركوباً لحصان خاسر. إذ لا تكفي الهتافات ولا الألقاب لصناعة شرعية سياسية، بقدر ما يتطلب الأمر مشروعاً واضحاً ومصداقية ميدانية.
في المحصلة، يتأكد مرة أخرى أن “الميركاتو السياسي” لم يعد وصفة ناجحة، وأن زمن اختصار الطريق عبر بوابة الكرة قد ولّى، تاركاً المجال أمام معادلة أكثر تعقيداً: السياسة تُبنى بالبرامج لا بالشعارات، وبالثقة لا بالشهرة.




