حين ينزلق الخلاف الروحي إلى صراع رقمي: مشيخة الزاوية القادرية البودشيشية في قلب الجدل

لم تكن الزاوية القادرية البودشيشية، بما تمثله من ثقل روحي وتاريخي في المشهد الصوفي المغربي، بمنأى عن تحولات الزمن وتقلباته. غير أن ما تشهده في الآونة الأخيرة من تجاذبات حادة حول مشيختها، يطرح أكثر من سؤال حول حدود الخلاف، ومآلاته، حين ينتقل من الفضاء الروحي المغلق إلى ساحات التواصل الاجتماعي المفتوحة.
منذ رحيل شيخ الزاوية، دخلت مسألة الخلافة مرحلة من الغموض والتأويل، فتباينت القراءات داخل صفوف المريدين حول الأحقية في تولي المشيخة، بين من يتمسك بالاستمرارية والوصية، ومن يرى ضرورة توزيع الأدوار أو إعادة ترتيب القيادة. هذا الخلاف، الذي كان من الممكن احتواؤه داخل الأطر التنظيمية والروحية للزاوية، سرعان ما خرج إلى العلن.
ومع اتساع رقعة النقاش، تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى منابر متصارعة، يتواجه فيها أنصار هذا الطرف أو ذاك، ليس بالحجة الهادئة ولا بلغة التصوف القائمة على السكينة والتواضع، بل أحيانًا بأسلوب حاد بلغ حد الإساءة والتجريح والتشكيك في النوايا.
اللافت في هذا الصراع الرقمي، أنه لم يقتصر على التعبير عن المواقف، بل انزلق في بعض الأحيان إلى تبادل اتهامات شخصية، ونشر تدوينات وتسجيلات تتنافى مع القيم التي طالما ارتبطت بالزاوية القادرية البودشيشية، كالأخلاق، وضبط النفس، والسمو الروحي، ما خلق حالة من الارتباك والحيرة داخل صفوف المريدين، خاصة أولئك الذين وجدوا أنفسهم ممزقين بين الوفاء لتاريخ الزاوية ورموزها، ورفضهم لتحويل الخلاف الروحي إلى معركة افتراضية لا رابح فيها.
وحسب مصادر متطابقة، فقد تجاوز هذا التوتر حدوده المعنوية، حيث جرى الحديث عن تقديم عدد من الشكايات لدى مصالح الدرك الملكي بمداغ، تتعلق بما يعتبره أصحابها إساءة وقذفًا وتشهيرًا عبر منصات التواصل الاجتماعي. رغم غياب أي بلاغ رسمي يؤكد طبيعة هذه الشكايات أو مآلها القانوني، فإن تداول هذه المعطيات يعكس مدى خطورة المنحى الذي بلغه الخلاف، وانتقاله من دائرة الزاوية إلى مؤسسات الدولة.
إن ما تعيشه الزاوية اليوم لا يهدد فقط وحدة مريديها، بل يمسّ صورتها الرمزية كفضاء للتزكية والتهذيب الروحي. فالصراع حول المشيخة، مهما كانت خلفياته، يفقد معناه حين يتحول إلى نزاع علني يفتقر للحكمة وضبط الخطاب. ويرى متابعون أن المرحلة الراهنة تتطلب تغليب صوت العقل، والعودة إلى آليات الحوار الداخلي، بعيدًا عن الاستقطاب الرقمي والانفعالات اللحظية، حفاظًا على إرث زاوية لعبت أدوارًا روحية واجتماعية بارزة داخل المغرب وخارجه.




