استقلالية مهنة المحاماة وحصانة الدفاع بين الرؤية الملكية والممارسة التشريعية لوزير العدل

تعد مهنة المحاماة في المغرب ركيزة أساسية لا تستقيم العدالة بدونها، وقد رسمت الخطب والرسائل الملكية السامية خارطة طريق واضحة لمكانة هذه المهنة، غير أن الواقع التشريعي الحالي يكشف عن فجوة عميقة بين “المرجعية الملكية السامية” و”الوعود الوزارية”، وبين “الممارسة التشريعية” المجسدة في مشاريع القوانين المثيرة للجدل.
أولا: المرجعية الملكية.. المحاماة كدعامة دستورية وحصانة كونية:
تشكل الرسائل الملكية (الرسالة الموجهة للمؤتمر التاسع والأربعين للاتحاد الدولي للمحامين والمنعقدة بفاس بتاريخ 31/08/2005، والرسالة السامية التي وجهها جلالة الملك إلى المشاركين في أشغال الدورة الثانية للمكتب الدائم لاتحاد المحامين العرب بتاريخ 20 نونبر 2000) دستورا أخلاقيا وقانونيا يؤطر المهنة من خلال أبعاد استراتيجية:
1. المحاماة جناح العدالة الثاني:
كرس جلالة الملك مفهوم المحامي كشريك مواز ومساو للقاضي في مسؤولية إقامة العدل، معتبرا إياهم “أسرة واحدة”. هذا الربط العضوي يعني أن أي مساس باستقلال المحاماة هو تقويض مباشر لاستقلال القضاء نفسه.
2. الاستقلالية كضمانة للمواطن:
الاستقلال في الرؤية الملكية ليس امتيازا فئويا للمحامين، بل هو “حصن للمتقاضي” وشرط أساسي لجذب الاستثمار وتحقيق التنمية، فالمستثمر والمواطن يبحثان عن عدالة يضمن فيها المحامي المستقل حماية حقوقهما بكل تجرد.
3. حصانة الدفاع كحق إنساني:
تنظر الخطب الملكية لحصانة المحامي كحق كوني يضمن “المحاكمة العادلة”، فالمحامي المحصن هو وحده القادر على أداء رسالته “بنبل وشرف” دون خوف من ترهيب أو ضغط، وهي حصانة تحمي المهنة من الانزلاق نحو المنطق “التجاري” الصرف.
ثانيا: فجوة التناقض.. قراءة في انحراف الممارسة عن الخطاب
رغم أن السيد وزير العدل أكد في كلمة له بمناسبة الندوة المنظمة من طرف الاتحاد الدولي للمحامين بشراكة مع هيئة المحامين بمراكش تحت شعار “القانون والمحامي دعامة الاستثمارات” بتاريخ 05/06 ماي 2023) على جعل المحامي “شريكا أساسيا” وتعهد بتقوية مكانته، إلا أن مضامين مشروع القانون رقم 66.23 جاءت لتعكس توجها مغايرا تماما، يتجلى في ثلاثة مستويات من التناقض:
1. من التسيير الذاتي إلى الوصاية الإدارية:
بينما تدعو التوجهات الملكية إلى تحديث الإطار القانوني بما يضمن “التنظيم الحديث والتسيير الذاتي”، نجد مشروع القانون يمنح صلاحيات واسعة لوزارة العدل والنيابة العامة للتدخل في شؤون المهنة، سواء عبر مراقبة مالية الهيئات أو التدخل في قرارات مجالسها، مما يحول “الاستقلال المؤسساتي” إلى تبعية إدارية مقنعة.
2. إضعاف حصانة الدفاع أمام سيف المتابعات:
في الوقت الذي يصف فيه جلالة الملك المحاماة بأنها “رسالة إنسانية نبيلة” تستوجب الحرمة، يفتح المشروع الباب أمام إضعاف حماية المحامي أثناء أداء مهامه، خاصة من خلال التوسع في مقتضيات الاعتقال الاحتياطي في حالات “التلبس” داخل المحاكم، مما قد يستخدم كأداة ضغط تؤثر على جرأة الدفاع وحريته في الترافع.
3. تهميش الدور التاريخي مقابل “تنميط” المهنة:
يتناقض المشروع مع الرؤية الملكية التي ترى في المحامي “طليعة للمجتمع المدني”، حيث يميل التشريع الجديد (بما في ذلك مقتضيات المسطرة المدنية) إلى تقليص أدوار المحامي وتحويله من “جناح للعدالة” إلى مجرد “مساعد تقني” أو وسيط إجرائي يمكن تجاوزه في مراحل معينة، مما يفرغ مفهوم “الشراكة في القضاء” من محتواه الحقيقي.
إن استقلالية المحاماة وحصانة الدفاع ليست مجرد شعارات للاستهلاك في المنتديات، بل هي التزام تشريعي يجب أن يترجم روح التوجيهات الملكية السامية. إن التناقض القائم اليوم يضع منظومة العدالة أمام مفترق طرق: فإما العودة إلى المرجعية الملكية التي تضمن كرامة المحاماة واستقلاليتها، وإما المضي في نهج تشريعي ينزع عن المهنة قدسيتها ويجعلها تحت وصاية إدارية تفقد المواطن ثقته في حماية حقوقه.




