من الدار البيضاء إلى برشيد: مياه الأمطار بين الهدر وفرص التنمية المحلية

برشبد: حكيم السعودي
في الطريق الرابطة بين مدينة الدار البيضاء ومدينة برشيد وتحديدا عند المداخل الأولى للمدينة تستوقف الملاحظ مشاهد برك مائية واسعة تشكلت بفعل التساقطات المطرية الأخيرة على هيئة أحواض كبيرة ممتدة على جنبات الطريق. مشاهد تثير التساؤل أكثر مما تبعث على الاطمئنان وتفتح باب التفكير في كيفية تدبير الموارد المائية على المستوى المحلي. هذه البرك التي تتجمع فيها كميات مهمة من مياه الأمطار تعكس من جهة نعمة الغيث الذي أنزله الله سبحانه وتعالى ومن جهة أخرى تبرز محدودية استثمار هذه الموارد الطبيعية بشكل عقلاني ومستدام. فبدل أن تتحول هذه المياه إلى عنصر خطر يهدد السلامة الطرقية أو إلى بؤر للركود والتلوث كان بالإمكان لو توفرت رؤية استباقية لدى الجماعات الترابية تحويلها إلى فرصة تنموية حقيقية.
إن إحداث أحواض مائية منظمة محاطة بمساحات خضراء ومغروسة بالأشجار مع إنجاز سدود تلية صغيرة كان من شأنه أن يساهم في تجميع مياه الأمطار واستغلالها لاحقا في سقي المساحات الخضراء وتلطيف المناخ المحلي وإعادة التوازن البيئي للمنطقة. كما كان من الممكن تحويل هذه الفضاءات إلى متنفسات طبيعية للساكنة تجمع بين الترفيه والراحة النفسية والجمالية الحضرية.ولا يمكن إنكار أن التساقطات المطرية الأخيرة لعبت دورا إيجابيا في تنظيف الشوارع والأزقة وتغذية السدود وإعادة شحن الفرشاة المائية بعد سنوات من الإجهاد المائي والجفاف. غير أن هذه الفوائد الطبيعية تظل جزئية ومؤقتة إذا لم تواكب بسياسات محلية ناجعة قادرة على تثمين كل قطرة ماء خاصة في ظل التغيرات المناخية التي تجعل من الماء موردا استراتيجيا بامتياز.
إن الإشكال لا يكمن في ندرة المياه بقدر ما يرتبط بضعف الحكامة الترابية في تدبيرها وغياب التخطيط الاستباقي الذي يحول دون هدر الثروات الطبيعية. فمياه الأمطار التي تهدر اليوم في الطرقات والمنخفضات يمكن أن تصبح غدا رافعة للتنمية المحلية إذا ما تم إدماجها ضمن رؤية شمولية تجمع بين البعد البيئي والعمراني والاجتماعي.إن تدبير الموارد المائية ليس مجرد شأن تقني بل هو مسؤولية جماعية تتطلب وعيا سياسيا وتخطيطا استراتيجيا وانخراطا حقيقيا للفاعلين المحليين من جماعات ترابية ومجتمع مدني ومواطنين. فالله سبحانه وتعالى ينزل الغيث رحمة بالعباد ويبقى على الإنسان واجب حسن التدبير حفاظا على النعمة وضمانا لحق الأجيال القادمة في الماء والعيش الكريم.




