التدبير العقلاني للتخييم والعمل الجمعوي: تجربة محمد كلوين في ترسيخ الشراكة والإنصاف وبناء مدرسة تربوية للمواطنة

حكيم السعودي
ينطبق منطق الإصلاح الهادئ والعقلاني القائم على التخطيط والتجريب على تجربة محمد كلوين رئيس الجامعة الوطنية للتخييم الذي تولّى هذه المسؤولية خلفا للمرحوم المصطفى نشيط في سياق وطني يتطلب إعادة بناء الثقة في العمل الجمعوي وتحديث آليات تدبيره.
فمنذ تحمله لهذه المسؤولية اتجه محمد كلوين إلى إحداث تحولات بنيوية داخل الجامعة لم تبنَ على القطيعة أو الصدام بل على الاستمرارية الواعية والتطوير التدريجي والاشتغال بمنطق الشراكة والمسؤولية المشتركة.لقد أدرك محمد كلوين في انسجام مع ما ذهب إليه الفيلسوف الألماني هيغل حين اعتبر أن «التاريخ يتقدم بالعقل لا بالصدفة» و أن أي إصلاح حقيقي داخل منظومة التخييم لا يمكن أن يتحقق دون إعادة تنظيم العلاقة مع الفاعل المؤسساتي المركزي. ومن هنا جاء خيار توطيد العلاقة مع وزارة الشباب والثقافة والتواصل ليس باعتبارها جهة وصية فحسب بل باعتبارها شريكا استراتيجيا وأساسيا في تطوير العرض الوطني للتخييم وهو تصور ينسجم مع مقولة أرسطو: «الكل أكبر من مجموع أجزائه» حيث لا يمكن لأي فاعل مهما بلغت قوته أن يحقق الأثر المنشود بمعزل عن باقي الشركاء.وقد أفضت هذه المقاربة التشاركية إلى نتائج ملموسة من أبرزها تطوير منظومة التداريب والرفع من عدد المقاعد المخصصة للتخييم في إطار احترام العرض الوطني وضمان توزيع أكثر عدلا وإنصافا بين الجمعيات. فالعدل كما يقول ابن خلدون «أساس العمران»، ولا يستقيم عمل جماعي دون قواعد واضحة تضمن تكافؤ الفرص وتحد من منطق الامتياز غير المشروع.وفي هذا السياق شكل اعتماد البوابة الإلكترونية كآلية أساسية لتدبير ملفات الجمعيات منعطفا نوعيا في تاريخ الجامعة الوطنية للتخييم.
فربط الاستفادة من مقاعد التخييم في اللجنة المشتركة بتقديم المشاريع التنشيطية داخل آجال محددة واعتماد التنقيط السنوي وترتيب الجمعيات بناءً على معايير موضوعية، نقل العمل التخييمي من منطق العلاقات والارتجال إلى منطق الاستحقاق والشفافية وهو ما ينسجم مع تصور ماكس فيبر حول «العقلنة» باعتبارها أساس التنظيم الحديث، ومع قوله إن الفعل المنظم لا يكتسب شرعيته إلا حين يكون مبنيًا على قواعد واضحة ومعروفة.كما أن هذه التجربة تعكس وعيا عميقا بما يسميه جون رولز «العدالة كإنصاف»، حيث لا يفضل فاعل على آخر إلا بقدر التزامه وجودة مشروعه لا بقربه أو موقعه. فالتنقيط والترتيب هنا لا يشكلان غاية في حد ذاتهما بل وسيلة لضمان النزاهة وتحفيز الجمعيات على تطوير أدائها والارتقاء بجودة التأطير التخييمي.
ومن زاوية أخلاقية وقيمية يمكن قراءة هذه التجربة في ضوء الحديث النبوي الشريف:«إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه»،فالإتقان هنا لا يقتصر على التنفيذ الميداني بل يشمل التخطيط والالتزام بالآجال واحترام القوانين وتقديم مشاريع ذات قيمة تربوية حقيقية كما يتجلى هذا المعنى في قوله ﷺ:*«كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»*،وهو ما يجعل من المسؤولية داخل الجامعة الوطنية للتخييم تكليفا أخلاقيًا قبل أن تكون موقعًا تنظيميًا.إن ما ميز تجربة محمد كلوين هو قدرتها على الجمع بين الصرامة التنظيمية والإنصاف وبين احترام القواعد والانفتاح على التطوير. فكما قال الإمام علي رضي الله عنه: «لا يصلح الناس إلا إمام عادل أو نظام قائم»، والنظام القائم هنا لم يكن جامدا بل مرنا يتطور بالتجربة ويتغذى من التقييم المستمر.ويمكن اعتبار هذه التجربة في بعدها الرمزي امتدادًا لنموذج «حصان طروادة» الإيجابي في الإصلاح حيث يتم إدخال منطق جديد إلى بنية قائمة، منطق يعتمد العقلانية والشفافية والتدبير بالأهداف دون إثارة مقاومة أو خلق انقسامات. تغيير من الداخل، هادئ في شكله، عميق في أثره يراكم المكاسب بدل استهلاكها ويؤسس للاستمرارية بدل الإنجاز الظرفي.
وهكذا، فإن تجربة محمد كلوين على رأس الجامعة الوطنية للتخييم تعد تجربة فريدة ومنصفة في المشهد الجمعوي المغربي لأنها أعادت الاعتبار لقيم الشراكة والاستحقاق والعدل وربطت التخييم بوظيفته التربوية والإنسانية لا كمجرد نشاط موسمي، بل كمدرسة للمواطنة وبناء الشخصية. وهي تجربة تؤكد أن الإصلاح الحقيقي كما قال الحكيم كونفوشيوس «يبدأ حين يصلح القائد نفسه ثم يصلح النظام» وأن العمل حين يبنى على العقل والقيم معا يصبح أكثر قدرة على الاستمرار وخدمة الصالح العام.
ويزداد هذا المسار الإصلاحي وضوحا حين ننظر إلى الأثر التربوي والثقافي الذي بدأت تتركه هذه التحولات داخل الحقل التخييمي نفسه. فالتخييم في جوهره ليس مجرد فضاء للترفيه أو ملء الزمن بل هو مشروع تربوي متكامل، وهو ما كان يؤكد عليه رواد التربية الحديثة، وعلى رأسهم جان جاك روسو حين اعتبر أن التربية الحقيقية هي التي تمارَس في الطبيعة وتقوم على التجربة والاحتكاك المباشر بالحياة. ومن هذا المنطلق فإن إعادة تنظيم العرض الوطني للتخييم وربطه بالمشاريع التنشيطية، وبجودة التأطير أعاد الاعتبار للتخييم كمدرسة غير نظامية تنمي قيم الاعتماد على الذات والعمل الجماعي والانضباط، وروح المسؤولية.كما أن اعتماد منطق التنقيط والترتيب السنوي للجمعيات لم يكن مجرد إجراء إداري بل رسالة واضحة مفادها أن الاستمرارية في الاستفادة تقترن بالجدية والالتزام. وهو ما ينسجم مع القاعدة الفقهية والأخلاقية المستمدة من الحديث النبوي الشريف: **«من غش فليس منا»، فالغش هنا لا يعني فقط التدليس المباشر بل كل تهاون في الالتزام أو استسهال في الإنجاز أو استغلال غير مشروع للفرص المتاحة. في المقابل فإن الجمعيات التي احترمت الآجال وقدمت مشاريع ذات جودة وراكمت تجربة ميدانية حقيقية وجدت نفسها منصفة ومعترفا بمجهودها وهو ما يعزز الثقة في المؤسسة ويحفز على التنافس الإيجابي.ومن منظور فلسفي أعمق يمكن قراءة هذه التجربة في ضوء الفلسفة البراغماتية التي ترى أن قيمة الأفكار تقاس بنتائجها العملية. فكما يقول وليم جيمس: «الحقيقة هي ما ينجح في الواقع». وقد أثبتت تجربة محمد كلوين أن تنظيم العلاقة مع الوزارة على أساس الشراكة واعتماد الرقمنة واحترام المعايير الوطنية كلها أفكار تحولت إلى نتائج ملموسة سواء على مستوى عدد المستفيدين أو جودة التداريب أو وضوح المساطر أو الإنصاف بين الفاعلين.ولا يمكن إغفال البعد الأخلاقي في هذه التجربة إذ إن القيادة هنا لم تمارَس بوصفها سلطة، بل باعتبارها أمانة. وقد عبر عن هذا المعنى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقوله: «لو عثرت بغلة في العراق لسئلت عنها لِمَ لم تمهد لها الطريق يا عمر». فالمسؤولية في العمل التخييمي كما في غيره من مجالات العمل الجمعوي مسؤولية عن الإنسان قبل البرنامج وعن الأثر قبل العدد وعن الجودة قبل الكم.إن هذه التجربة في بعدها الكلي تعكس تحولا في الثقافة التنظيمية داخل الجامعة الوطنية للتخييم، من ثقافة المطالبة إلى ثقافة العرض ومن منطق الامتياز إلى منطق الاستحقاق ومن التدبير الانطباعي إلى التدبير المبني على المعايير وهو تحول لا يمكن فصله عن السياق الأوسع الذي تشهده مؤسسات الشباب حيث يبرز جيل جديد من الفاعلين الإداريين والجمعويين الذين يؤمنون بأن الإصلاح الحقيقي لا يكون بالصدام بل بالحكمة ولا بالعجلة بل بالنَّفَس الطويل.وهكذا فإن تجربة محمد كلوين لا تختزل في إجراءات تنظيمية أو أرقام إحصائية بل تقرأ باعتبارها مسارا تربويا وأخلاقيا يعيد للتخييم معناه العميق ويربطه بقيم العدالة والشراكة والإتقان والمسؤولية. وهي تجربة تؤكد مرة أخرى صدق الحديث النبوي الشريف: «إنما الأعمال بالنيات»، إذ حين تصدق النية ويحسن التخطيط ويراعى العدل يصبح العمل الجمعوي فعلا بنّاء، قادرا على صناعة الأثر وبناء الإنسان وخدمة الصالح العام على المدى البعيد.
إن تجربة محمد كلوين على رأس الجامعة الوطنية للتخييم تمثل نموذجا متقدما في التدبير العقلاني والمسؤول للعمل الجمعوي حيث التقت الرؤية الاستراتيجية بالإرادة الإصلاحية وتكاملت الشراكة المؤسساتية مع قيم الإنصاف والشفافية. فقد أعادت هذه التجربة تنظيم الحقل التخييمي على أسس واضحة ربطت الاستفادة بالاستحقاق والممارسة بالالتزام والدعم بجودة المشروع بما أعاد للتخييم بعده التربوي والإنساني الأصيل.ولعل القيمة المضافة لهذه التجربة تكمن في قدرتها على تحويل المبادئ إلى إجراءات والقيم إلى مساطر دون التفريط في روح العمل التطوعي ورساليته. فحين يمارَس التدبير بعقلانية وتصان العدالة ويحتكم إلى معايير موضوعية يصبح العمل الجمعوي رافعة حقيقية لبناء الإنسان لا مجرد نشاط موسمي أو فرصة ظرفية. وهو ما ينسجم مع قوله تعالى: *﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ومع الحديث النبوي الشريف: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه».وهكذا تؤكد تجربة محمد كلوين أن الإصلاح الهادئ، القائم على الشراكة والتنظيم والنية الصادقة قادر على إحداث أثر عميق ومستدام. فهي تجربة تبرز أن التخييم حين يدار بعقل وقيم يتحول إلى مدرسة للمواطنة وفضاء للتنشئة ومجال لصناعة أجيال تؤمن بالعمل والانضباط والمسؤولية وتسهم بوعي في بناء مجتمع أكثر توازنا وعدلا.




