رحلة ال84 فصل.. حكاية بطولية

حمزة السيكي

0

يقال أن الانتصار في المعارك ليس هو النجاح التام ..بل النجاح التام هو أن تكسر مقاومة العدو بدون قتال. مثال يجسد قصتنا اليوم ، لأحد اعظم أشكال الاستبسال في قهر الاستعمار الفرنسي، فتحت ضغط و تعدي هذا الأخير، و محاولة سلب كل ما يملكه الشعب المغربي ، بزغت شنس المقاومة بتعدد أشكالها و طرقها، تبقى أبرزها مقاومة الجمعيات الرياضية، كقصة الرجال السبع،الذين أطلقوا من “المدينة القديمة” قصة عظيمة سميت بالوداد الرياضي.

أصل الحكاية.. لا جديد يذكر، بل احتفالية تعاد

لا يمكننا الحديث عن فريق الوداد الرياضي دون ان نمنح حصة الأسد لتاريخه الحافل بالاحداث ،ولهذا السبب تعقبنا هذا النور الذي سطع إلى سماء العالم، فانتهى بنا المطاف إلى منبع هذا الأخير، ألا و هي “المدينة القديمة”.
نحن على بعد أمتار قليلة من “الزنقة “2 الياقة الزرقاء قرب ساحة سيدي بوسمارة ، حيث يغطي اللون الأحمر جل أروقة الحي مبعثا السرور في نفوس المارّة ، كهذا الطفل الذي يزين عنقه بوشاح فريقه المفضل و يرتدي قبعة نصفها حمراء و النصف الآخر يسوده الابيض ،يلمع من وسطها شعار الفريق . يتجه مسرعاً نحو همسات موسيقية التي بمجرد اقترابك من مصدرها تتحول تدريجياً الى هتافات حماسية توحي لك و كأنها تحكي عن جزء من الوطنية . يتجمهر حولها العشرات من الأطفال و الشبان و تفاصيل وجوههم تشير إلى عمل مهم بانتظارهم ، ف انتابنا الفضول و أسرعنا اتجاه شاب يرتدي قميصا للوداد و بيده شريط لاصق و فرشاة صباغة ، فتسائلنا عن سبب التجمهر ليجيبنا بحماسة: ” يوم الغد مهم جدا في حياتنا ، إنه أهم بكثير من ذكرى ولادتي، لذا نعتزم نحن أبناء هذا الحي بإقامة صور احتفالية عوض التجمع كما جرت العادة بسبب الجائحة، و نريد تعويض ذلك برسم بعض اللوحات و ال”ميساجات” تعبيراً عن ولائنا الدائم لهذا الشعار ، هيا مرحبا بك إن كنت وداديا مثلنا” . و استدار بقوله هذا مباشراً مهامه الإحتفالية .

الوداد..قصة نضال و فداء

غير بعيد عن الحي المرجعي ، كان لابد لنا من وقفة تاريخية للتقرب أكثر من قصتنا هذه، فانتقلنا إلى درب “كناوا” بعد أن دلنا صديق عن شيخ تُيّم بحب الوداد منذ شبابه و عاصر جل أجيال هذا الفريق . عند وصولنا إلى وجهتنا المتمثلة في دكان عتيق للوازم الجلد ، استوقفني صورة بالأبيض و الأسود للاعبين يحاولان خطف الكرة من بعضهما في الهواء، يرتدي أحدهما قميص أبيض و الآخر يتوسطه خط أفقي عريض لم استطع تميز حقيقة لونه، فإذا بصوت رقيق يقطع تركيزي نحو الصورة فحواه “الشتوكي مكانش لي يحيدها ليه فالسما” . كان لك الصوت المنشود ،صوت الحاج المالكي أحد أقدم رجالات الوداد الرياضي و أكبر المتيمين بحب الشعار الأحمر. وما إن اطلعناه عن سبب تواجدنا حتى وجدنا أنفسنا على طاولة نقاش داخل المحل . فوسط كل تلك المنتجات الجلدية، تلمح بين الفينة و الأخرى صور و شعارات قديمة للوداد كهاته الصورة التي تقبع في يسار المحل،التي يتجمع فيها بضعة رجال بلباس مغربي ،سألنا عن ماهية الصورة فأجابنا “الحاج” : هؤلاء الرجال يتقدمهم الحاج محمد بنجلون أقدموا على خطوة شجاعة آنذاك، كانت كل الأنشطة بما فيها الرياضية حكراً على المستعمر ، فكانت فكرة تأسيس ناد مغربي ثورية و ستشكل خطورة على فرنسا، و خرجت الفكرة إلى الواقع بعد اجتماع طويل، كانت الكلمة الفيصل في تسمية النادي لآخر الواصلين اسمه محمد ماسيس، بعد ان برر تأخره بانشغاله بمشاهدة فيلم لأم كلثوم بإسم وداد ، ليتزامن جوابه مع “تزغريتة” من بيت مجاور. فتفائل بها الحاضرون بما فيهم محمد بنجلون الذي رحب بالفكرة، ليستقر الجل على اسم الوداد رغم اختلاف بعض الحاضرين في بداية الأمر.” في خضم حديثه أخدتني صورة تحمل زي الفريق بدى و كأنه أول طقم للفريق، فكان جواب “الحاج” سريعاً على تساؤلاتي ” هذا هو أول قميص للوداد ، اتفق الكل على حمل اللون الاحمر كلون رسمي نظراً لما يحمله من قيمة وطنية لدى المغاربة و العلم المغربي.د،كما اتخدوا اللون الأبيض كلون ثانٍ ، و هنا تشاع مغالطة أن هذا اللون يرمز إلى مدينة البيضاء، لكنه في الحقيقة يرمز إلى لون السلام ، فمحمد بنجلون كان رافضاً لفكرة انتماء الوداد البيضاوي، بل آمن أن هذا النادي يمثل المغاربة قاطبة، و لهذا سمي بالوداد الرياضي وليس البيضاوي كما يشاع” ثم أخدنا الحاج في رحلة شيقة عن مسار الوداد و الابتسامة معه في كل محطة يطلعنا عليها، من أول مباراة للفريق أمام الياسام مروراً بقرار حظر أنشطة الفريق من طرف المستعمر و حبس أعضاء الفريق ، و كذا أولى تتويجات النادي إضافة إلى اللقب التاريخي بكأس محمد الخامس كأول و آخر نادي مغربي ينال شرف التتويج باللقب. ليختتم كلامه بعبارة ” كانتمنى قبل مانموت نشوف الوداد بطل افريقيا ثاني”

“الوينرز”.. درع الفريق و سنده الأول

انتقلنا إلى مكان غير بعيد عن معقل الأحمر لإغناء قصتنا المشوقة ، وبالضبط ساحة الأمم المتحدة، فكان لابد من التطرق إلى أحد أهم أسس الفريق ، ألا وهي ألتراس “الوينرز”, نجحنا في إقناع أحد أعضاء هذه الالتراس للتحدث معنا عن هذا اليوم المهم بالنسبة لهم، و احتراماً لمبادئ الحركية و خصوصياتها، سنرفع ستار المجهول عن المتحدث و نكتفي بمناداته بلقب “الفائز”، و يبدو أننا لمحنا هذا الأخير، الذي يجلس مرتديا قميص و قبعة الوداد و بيده وشاح أحمر للمجموعة تتوسطه عبارة “شرف الانتماء”، فكانت تلك اشارتنا للتعرف على بعضنا . و بعد الجلوس و التقرب أكثر ،شرعنا في التحدث عن أهمية هذا اليوم و رمزيته لدي المجموعة فقال” نشأنا كمجموعة على حي الوداد، إنها اغلى ما نملك و محور حياتنا و نمط عيشنا. يمثل هذا الشعار بالنسبة لنا كل شيء و سنظل أوفياء لهذا الأخير إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها”. عندها لمسنا قيمة الفريق و بعدها حاولنا ان نعود قليلا إلى الوراء و “بويكوط” الجمهور قبل فترة التوهج فأجابنا بحرقة ” لن نسمح لأي كان المساس بسمعة الفريق ، كان الفريق آنذاك في وضع حرج بسبب الإدارة الغير رشيدة من طرف المكتب، فقررنا و طبقا لأصول الحركي مقاطعة مركب محمد الخامس و الاكتفاء بمساندته خارج الديار كنوع من الاحتجاج و مطالبة المكتب بالتنحي. إضافة إلى التعبير عن طريق لوحات و تيفوهات ظلت خالدة في تاريخ الحركية المغربية.” سألناه بعد ذلك عن قادم الاستعدادات للمجموعة بمناسبة الذكرى84 على تأسيس الفريق، ففضل عدم الإجابة معللاً أن ذلك يدخل ضمن خصوصيات المجموعة، لكنه وعدنا بمعاينة أشياء ستروق لناظر كل الجماهير الودادية.

حسن ناضر.. بعين بطل سابق

رحلتنا التاريخية هاته لا يمكنها ان تكتمل إلا بتدخل لأحد صناع مجد هذا الفريق، و من حسن حظنا تمكنا من التواصل مع أحد أفضل الهدافين في تاريخ الكرة الوطنية و واحد من فرسان القلعة الحمراء بفترة الثمانينات،.الحديث هنا عن حسن ناظر هداف الوداد سابقاً و أبرز هداف بالدوري البرتغالي بفترة التسعينات رفقة فارينزي و بنفيكا. فكانت أولى أسئلتنا عن هذا اليوم و ماذا يعني له فريق الوداد ،فأجاب ب” نشأت بأسرة ودادية و ترعرعت على حبها، بالنسبة لي فريق الوداد هو الفريق الأوحد بقلبي و أفضل فريق عندي بالعالم و سأظل أحبه إلى الأبد”. جواب جرّنا إلى مجد الرجل مع الفريق و ارتأينا ان نعيد تلك الأيام إلى الأذهان ،فقال” احتفظ بذكريات جميلة جداً مع فريقي، لقد امضينا أيام لل تنسى و امتلكنا فريق قوي جدا استطعنا الفوز بالبطولة مرتين و كأس العرش و كذا كأس العرب، أما على المستوى الفردي فقد وفقت بالفوز بلقب هداف البطولة الوطنية قي ثلاث مناسبات. لقد كنت محظوظاً بتلك الأوقات و تلك العائلة، سأظل دائما مفتخرا بهذه الذكريات.” و رجوعا للحاضر، تكلمنا عن المستقبل و عن انتظاراته المستقبلية كمحب للوداد فأجابنا بأنه يتفائل خيراً بوجود هذه المجموعة و أن الوداد يسير في السكة الصحيحة مشيراً إلى نتائج الوداد بوصوله لنصف نهائي كاس العرش و تأهله الى ربع نهائي دوري ابطال افريقيا، إضافة إلى تصدر البطولة، آملا بتحقيق هذه الثلاثية و مزيداً من الألقاب و استمرارية توهج النادي في المستقبل.

سفينتنا رست عند ميناء النهاية ، حاملة معها رياح المجد الذي حققه هذا النادي و عبق تاريخ مقاومة حمل في طياته حكاية أبطال ناضلوا من اجل حرية الوطن و مواطنيه. رحلة 84 سنة شارفت على النهاية، لكن قصة الوداد الرياضي مستمرة في سرد سطور البطولة إلى الأبد .

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.