مجتمع

المناظرة الجهوية للتخييم بالدار البيضاء سطات نحو رؤية جديدة لإدماج التخييم في السياسات العمومية

شهد المركب التربوي الحسن الثاني بالدار البيضاء، أول أمس السبت فاتح نونبر 2025، تنظيم المناظرة الجهوية الخاصة بقطاع التخييم بجهة الدار البيضاء سطات والتي نظمتها الجامعة الوطنية للتخييم بشراكة مع المديرية الجهوية لقطاع الشباب. حضر هذا اللقاء عدد كبير من الفاعلين الجمعويين يمثلون الجمعيات الوطنية والجهوية والمحلية إلى جانب المدراء الإقليميين للجهة و أعضاء المكتب الجامعي ، في مشهد يؤكد أهمية هذا الموعد في مسار التفكير الجماعي حول مستقبل التخييم بالمغرب.

كان التنظيم محكما والدقة واضحة في تطبيق البرنامج المسطر خاصة ما يتعلق بتوزيع الورشات وتنظيم فترات النقاش. وقد افتتحت الجلسة بكلمة المدير الجهوي لقطاع الشباب الذي رحب بالمشاركين مؤكدا على أهمية المقاربة التشاركية التي تجمع مختلف الفاعلين من أجل صياغة تصور جديد للبرنامج الوطني للتخييم،تلتها كلمة  محمد كلوين رئيس الجامعة الوطنية للتخييم الذي تحدث بصراحة وغيرة ومسؤولية مستندا في مداخلته إلى ما نسميه “المنطق الرياضي في التخييم”، أي القراءة الدقيقة للمعطيات واعتماد التحليل العلمي والعقلاني في فهم الواقع المعقد لهذا القطاع.

أوضح محمد كلوين أن قطاع التخييم يعيش مرحلة مركبة تتجاوز حدود التمويل إلى عمق السياسات العمومية التي ما تزال غير منصفة له رغم أنه يشكل أحد أهم الفضاءات التربوية اللامدرسية في المغرب وأضاف أن الواقع الميداني يكشف عن تراجع خطير في عدد المراكز التخييمية حيث كانت جهة الدار البيضاء سطات تتوفر في السابق على عدد مهم من المراكز النشيطة مثل سيدي رحال، عين السبع، وطماريس، لكنها اليوم لم تعد تستفيد إلا من ثلاث مراكز فقط وهي مركز المحمدية العالية، ومركز بوزنيقة إضافة إلى مركز الحوزية الذي يعد من المراكز الحيوية. وهو عدد لا يليق بجهة كبرى من حجم الدار البيضاء سطات التي تحتضن أكبر كثافة سكانية وأوسع شبكة جمعوية في المغرب. وفي هذا السياق دعا رئيس الجامعة الوطنية للتخييم إلى ضرورة إدماج التخييم في صلب السياسات العمومية كرافعة للتربية غير النظامية مع التأكيد على أهمية التقاء جميع الشركاء حول هذا القطاع الحيوي من سلطات محلية، ومجالس منتخبة، وقطاعات حكومية ومؤسسات عمومية. واعتبر أن أي نهوض حقيقي بقطاع التخييم يقتضي تجاوز المقاربة الموسمية إلى رؤية استراتيجية بعيدة المدى تضع الطفل والشباب في قلب السياسات التنموية.

لم يتردد كلوين في توجيه انتقادات صريحة لبعض الممارسات السلبية التي تشوه صورة العمل الجمعوي التخييمي من قبيل الاتجار في المقاعد أو سوء تدبير الاستفادة، مؤكدا أن الجامعة الوطنية للتخييم والوزارة الوصية لا تملكان صلاحية المنع أو الإقصاء ما لم يكن هناك إطار قانوني واضح ينظم العلاقة بين الأطراف. ومن هنا شدد على الحاجة الملحة إلى مراجعة المرسوم المنظم للتخييم وإعادة صياغته بما ينسجم مع طموحات المجتمع المدني ويستجيب للواقع الجديد الذي يفرض وضوح المسؤوليات وصرامة في احترام القانون.
وأشار في كلمته إلى أن القانون يجب أن يكون سيد الموقف وأن كل الأطراف مطالبة بالانصياع له من أجل ضمان العدالة والشفافية في توزيع الفرص وتحقيق مبدأ تكافؤ الاستفادة بين الجمعيات. كما عبر عن قناعته بأن الإصلاح لا يمكن أن يتحقق إلا عبر حوار وطني حقيقي بين الدولة والمجتمع المدني يرتكز على الثقة المتبادلة والاعتراف المتكافئ بالأدوار.

لم تخلُ كلمته من الإشادة بالمجهودات التنظيمية التي بذلها المكتب الجهوي للجامعة الوطنية للتخييم بجهة الدار البيضاء سطات مشيرا إلى أن حسن التنظيم والانضباط في العمل يعكسان صورة إيجابية عن الجهة وقدرتها على المساهمة الفعلية في إنجاح أي مشروع وطني يخص التخييم. كما اعتبر أن النقاشات والورشات التي ستعرفها المناظرة الجهوية تشكل لبنة أساسية في بناء تصور موحد حول القضايا الجوهرية المطروحة، وفي مقدمتها الحكامة، التكوين، التمويل، البنيات التحتية والإطار القانوني المنظم.
لقد بدا واضحا من خلال تدخلات المشاركين أن هناك وعيا جماعيا بضرورة تجديد الرؤية العامة للتخييم والانتقال من مرحلة التوصيات العامة إلى مرحلة الفعل والتشريع والتقنين. فالمجتمع المدني لم يعد يطالب بالدعم المادي فقط بل يطالب بالاعتراف القانوني والدستوري بمكانة التخييم كخدمة عمومية تربوية. كما أن مداخلك أحد المدراء الإقليميين ركزت على أهمية التنسيق بين مختلف المصالح وتعبئة الموارد المتاحة لتجاوز الإكراهات التي تعرفها مراكز التخييم، خاصة تلك التي توقفت عن العمل رغم قابليتها للإصلاح وإعادة التهيئة.لقد كانت أجواء المناظرة إيجابية وطبعتها روح المسؤولية حيث ساد التفاعل الجاد بين مختلف الأطراف. وتبيّن أن الجهة قادرة على أن تكون نموذجا في الحكامة الجهوية للتخييم متى توفرت الإرادة السياسية والرؤية الموحدة. واختتم اللقاء بدعوة مفتوحة إلى الاستمرار في النقاش داخل الورشات المحلية والجهوية استعدادا للمناظرة الوطنية ببوزنيقة التي يرتقب أن تضع الأسس الكبرى لعقد اجتماعي جديد بين الدولة والجمعيات في مجال التخييم.هكذا لم تكن المناظرة مجرد لقاء عابر بل لحظة وعي جماعي بأن مستقبل التخييم في المغرب لن يبنى بالشعارات بل بالعمل المنظم والعقلانية في التدبير والتشريع المنصف والإرادة المشتركة لتصحيح المسار حماية للطفولة المغربية وصونا لقيمة الفعل التربوي في بعده الإنساني والمجتمعي.

أكدت المناظرة الجهوية للتخييم بجهة الدار البيضاء سطات أن رهانات المرحلة المقبلة تستدعي مقاربة جماعية مسؤولة تعيد الاعتبار لقطاع التخييم كمدرسة للمواطنة ومختبر للقيم والتنشئة الاجتماعية. لقد أجمع المشاركون على أن إصلاح هذا المجال لن يتحقق إلا بإرادة حقيقية تتقاطع فيها جهود الدولة والمجتمع المدني من خلال تشريعات منصفة وتمويل شفاف وحكامة رشيدة. فالتخييم ليس مجرد نشاط موسمي بل هو مشروع تربوي وطني يحتاج إلى تخطيط استراتيجي طويل الأمد يؤسس لجيل من الأطفال والشباب المؤمنين بالوطن والإنسان القادرين على حمل مشعل المستقبل بثقة ووعي ومسؤولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى