الرأي

التكوين التربوي في المخيمات مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون إجراء تنظيميا

 

 

حكيم السعودي

لم يعد النقاش الدائر في كل لقاء أو محطة تنظمها وزارة الشباب والثقافة والتواصل أو الجامعة الوطنية للتخييم أو الجامعات الجهوية يخرج عن سؤال واحد يتكرر بإلحاح ويزداد حدة مع مرور السنوات، ما الذي يقع فعلا داخل التداريب التكوينية الخاصة بالمخيمات؟ وكيف تحولت من فضاء لبناء الكفاءة والقدوة التربوية إلى مجال مفتوح للاختلالات والتساهل وربما العبث أحياناً؟. الواقع الذي أصبح يتداوله الجميع أطرا وموظفين ومشاركين هو أن عددا من الجمعيات بات يقحم مدربي الدرجة الثانية في تأطير التداريب التكوينية في خرق صريح للشروط المفروض احترامها والتي تنص بوضوح على أن المكون يجب أن يتوفر إما على دبلوم مدير أو شهادة مكون إضافة إلى مستوى دراسي يؤهله للقيام بمهمة التكوين. غير أن ما يحدث في الممارسة يكشف مفارقة صادمة إذ نجد حالات حصل فيها أشخاص على دبلوم مدير بطرق مشبوهة شابها الغش في الاختبار الكتابي أو اعتماد شهادة تدريب مزورة في حين أن مستواهم الدراسي لا يتجاوز السابعة أو الثامنة أو التاسعة إعدادي.و الأخطر من ذلك أن هؤلاء الأشخاص أنفسهم يشاركون في تأطير تدريبات موجهة لطلبة من مستوى الثانية بكالوريا أو أعلى بل وحتى لأساتذة ومجازين وهو ما يخلق خللا بنيويا في العملية التكوينية حيث يصبح الفارق المعرفي والبيداغوجي لصالح المتدرب لا المكون. في مثل هذا السياق لا يمكن الحديث عن تكوين حقيقي بل عن تمرين شكلي يفقد فيه التدريب معناه ووظيفته وينعكس ذلك مباشرة على ضعف مستوى التداريب ثم على مردودية الأطر داخل المخيمات.

لم يعد مستغربا أن نسمع اليوم عبارة تتردد بأسى وسخرية في الآن نفسه: “كل من هب ودب أصبح يؤطر التداريب”. هذه العبارة ليست حكما انفعاليا بل توصيف لواقع انحرف عن مساره. والكل يتذكر وبشيء من الحنين، كيف كانت التداريب التي تنظمها الوزارة في السابق وتشرف عليها تعيينات رسمية للأطر تعتمد على كفاءات حقيقية من موظفيها الميدانيين المتوفرين على خبرات متعددة بشراكة اللجنة الوطنية للتخييم إلى جانب أطر الجمعيات الوطنية للتخييم المشهود لها بالعمل الجاد والمتطور والإبداعي، آنذاك كان لكل تدريب سبعة أطر تخصصاتهم متنوعة بما فيهم رئيس التدريب وكانت المدة تمتد لتسعة أيام كاملة تسمح بالتدرج والتعمق وبناء علاقة تربوية حقيقية بين المؤطر والمتدرب. أما اليوم فقد تغير المشهد بشكل لافت لان أغلب الجمعيات أصبحت تنظم التداريب بشراكة مع وزارة الشباب والثقافة والتواصل والجامعة الوطنية للتخييم لفائدة أطرها بعدد مقاعد محدد في 45 أو 50 متدربا مع رئيس تدريب من موظفي الوزارة وأربعة أطر تعينهم الجمعية التي تتحمل المسؤولية الكاملة عن اختياراتها. هذا التحول في حد ذاته ليس مشكلة بل قد يكون فرصة حقيقية لتوسيع قاعدة التكوين لكن الإشكال يكمن في غياب الالتزام الصارم ببنود الشراكة وعدم احترام الشروط المتعلقة بالتكوين الخاص بالمخيمات وكأن هذه الشروط وضعت فقط للاستهلاك الإداري لا لضمان الجودة. والكل يدرك أن الفرصة التي منحتها الوزارة والجامعة الوطنية للتخييم للجمعيات لتنظيم التداريب لم تكن تفويضا مطلقا بل رهانا على النضج والمسؤولية وعلى وعي الجمعيات بأن التكوين ليس مجرد وسيلة للحصول على عدد أكبر من المدربين بل مسار لبناء الإنسان المؤطر القادر على حماية الطفل وتأطيره وتربيته وفق قيم واضحة ومنهجية مدروسة. إن العروض النظرية الحالية ليست سهلة ولا بسيطة ولا يمكن لأي شخص كيفما كان أن يقدمها، هي عروض مركبة تتطلب فهما عميقا لمجال التخييم وخبرة ميدانية حقيقية ومستوى معرفيا لا يقل عن الإجازة في كثير من الأحيان مع قدرة على التحليل والتأطير وربط النظرية بالممارسة، الأمر نفسه ينطبق على الأنشطة التطبيقية التي تحتاج إلى أطر متمكنة في الأناشيد والألعاب والمعامل التربوية والأشغال اليدوية والتعبير وأنشطة المحترفات والسهرات النموذجية وفق العروض النظرية نفسها وبطرق بيداغوجية تترك الأثر في المتدرب لا مجرد ملء الزمن أو استعراض تقنيات سطحية.

إن التكوين في المخيمات ليس تجميعا لأنشطة معزولة بل بناء متكامل لشخصية المؤطر ومن دون مكونين متمرسين يتحول كل هذا إلى شكل بلا روح. لذلك فإن ما يكتب ويقال اليوم ليس رأيا فرديا أو تصفية حسابات بل هو حديث مشترك لأطر وموظفين شاركوا في تأطير التداريب وبعضهم ما زال يؤطر إلى اليوم لكنه يعبر بمرارة عن خيبة أمله من جمعيات بات همها الأساسي هو الكم لا الكيف والحصول على أكبر عدد من المدربين بغض النظر عن مدى تمكنهم أو أهليتهم.و يبقى السؤال معلقا هل نريد تكوينا حقيقيا ينعكس إيجابا على الطفل والمخيم والمجتمع أم مجرد أرقام وتقارير إدارية؟ الجواب لا يكمن في الشعارات بل في الجرأة على إعادة الاعتبار لشروط التكوين واحترام الأدوار والقطع مع كل أشكال التساهل التي تسيء لمجال التخييم الذي كان ولا يزال مدرسة للقيم قبل أن يكون فضاء للترفيه. وإذا استمر هذا الوضع على ما هو عليه فإن الخلل لن يتوقف عند حدود ضعف التداريب أو هشاشة الكفايات بل سيتحول إلى أزمة ثقة عميقة تضرب في الصميم صورة التكوين التربوي برمته، فالمتدرب الذي يلتحق بالتدريب وهو يحمل طموح التعلم وبناء الذات يصطدم أحيانا بواقع لا يرقى إلى انتظاراته فيفقد الحافز ويترسخ لديه إحساس بأن ما يقدم له مجرد طقس إداري لا علاقة له بالفعل التربوي الحقيقي، وهذا أخطر ما يمكن أن يقع لأننا نقتل روح المبادرة منذ البداية ونصنع أجيالا من المؤطرين الذين يعتبرون المخيم مجرد محطة عابرة أو فرصة موسمية لا رسالة تربوية ومسؤولية أخلاقية.

إن التغاضي عن شروط التكوين لا يعني فقط التساهل مع الجمعيات بل هو تساهل مع مصير الأطفال داخل المخيمات، فالمؤطر الذي لم يتلق تكوينا حقيقيا ولم يمر عبر مكونين أكفاء سيجد نفسه عاجزا عن تدبير المواقف التربوية الصعبة أو عن حماية الطفل من الأخطار النفسية والجسدية أو حتى عن استيعاب فلسفة المخيم وأدواره التربوية والاجتماعية، وهنا يتحول المخيم من فضاء للتنشئة والاندماج إلى مجال لتكريس الارتجال وربما إنتاج سلوكات لا تربوية تتنافى مع القيم التي نرفعها في الخطاب الرسمي ثم إن التناقض الصارخ بين الخطاب والممارسة يزيد من تعقيد المشهد، ففي كل لقاء رسمي يتم التأكيد على الجودة والحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة غير أن الواقع يكشف أن آليات المراقبة تظل ضعيفة أو موسمية وأن بعض الخروقات تمر دون مساءلة حقيقية، فكيف يعقل أن يسمح لاسم مكون غير مؤهل لا علميا ولا بيداغوجيا بأن يقف أمام متدربين يفوقونه مستوى وتجربة؟ وكيف نبرر الصمت عن شهادات مبهمة أو مسارات تدريبية مشكوك في صحتها في مجال يفترض فيه أن يكون القدوة أساس العملية التربوية؟.الأمر لا يتعلق فقط بأشخاص بعينهم بل بثقافة بدأت تتسلل إلى بعض الجمعيات، ثقافة تعتبر التكوين وسيلة لتوسيع القاعدة العددية أو لتقوية النفوذ التنظيمي لا لبناء الإنسان المؤطر، هذه الثقافة إن لم يتم التصدي لها ستفرغ الشراكات من مضمونها وستحول الفرصة التي منحتها الوزارة والجامعة الوطنية للتخييم إلى عبء إضافي بدل أن تكون رافعة للتطوير والتجويد. ولا يمكن في هذا السياق إغفال مسؤولية الجميع: الجمعيات التي تختار أطرها دون احترام المعايير والجامعة الوطنية للتخييم التي يفترض أن تكون حارسة لجودة التكوين والوزارة التي يقع على عاتقها تتبع حقيقي لا شكلي. فالتكوين ليس مجالا للمجاملات ولا لتصفية التوازنات بل مجال يستدعي الحزم والوضوح لأن نتائجه لا تظهر في التقارير بل في سلوك المؤطرين وفي سلامة الأطفال وفي صورة المخيمات داخل المجتمع.

إن استعادة هيبة التكوين التربوي في المخيمات تمر عبر إعادة الاعتبار للكفاءة وربط التأطير بالاستحقاق لا بالانتماء أو العلاقات، تمر أيضا عبر الإنصات لصوت الأطر الميدانية والموظفين الذين راكموا تجربة حقيقية ويعرفون جيداً الفرق بين تكوين يصنع الأثر وتكوين يكتفي بملء الفراغ، هؤلاء لا ينتقدون بدافع الهدم بل بدافع الخوف على مجال أعطوه من أعمارهم وجهدهم ويرفضون أن يروا تاريخه يختزل في ممارسات سطحية. وفي العمق يظل السؤال الأخلاقي حاضرا بقوة: أي نموذج نريد للمؤطر؟ هل نريده مجرد حامل لشهادة أيا كانت طرق الحصول عليها أم مربيا واعيا، متمكنا، قادرا على الجمع بين المعرفة والممارسة والقيم؟ الجواب عن هذا السؤال هو الذي سيحدد مستقبل التكوين ومستقبل المخيمات وربما مستقبل الثقة في العمل التربوي التطوعي برمته. وحين نطرح هذا السؤال الأخلاقي بجدية ندرك أن أزمة التكوين ليست تقنية ولا إجرائية فقط بل هي في جوهرها أزمة تصور ومعنى، فالتخييم لم يكن يوما مجرد نشاط موسمي أو برنامج ترفيهي عابر بل كان ولا يزال فعلا تربويا مركبا له فلسفته وأدواته وقيمه وعندما يفرغ التكوين من عمقه ويختزل في إجراءات شكلية فإننا في الواقع نفرغ المخيم نفسه من رسالته ونحوله إلى فضاء استهلاكي بلا بوصلة.

إن التساهل مع ضعف التكوين يخلق حلقة مفرغة: مكون ضعيف ينتج مؤطرا هشا والمؤطر الهش يعيد إنتاج نفس الضعف داخل المخيم ثم يعود لاحقا ليؤطر بدوره في التداريب فتتكرس الرداءة وتصبح هي القاعدة، ومع مرور الوقت يصبح الاعتراض على هذا الوضع فعلا نشازا وينظر إلى من يدافع عن الجودة والصرامة وكأنه يعقّد الأمور أو يعارض “الواقع” وهنا تكمن الخطورة حين تتحول الرداءة إلى عرف والكفاءة إلى استثناء. وفي مقابل هذا الواقع لا يمكن تجاهل وجود أطر حقيقية ما زالت تؤمن بالتكوين كرسالة وتشتغل في صمت وتحاول ما استطاعت أن تحافظ على الحد الأدنى من الجودة داخل التداريب غير أن هذه الأطر تجد نفسها محاصرة أحياناً بمنطق العدد وبضغط الزمن وباختيارات تنظيمية لا تضع الكفاءة في صدارة الأولويات، ومع ذلك فإن وجودها يظل دليلا على أن الإصلاح ممكن وأن المجال لم يستنفد كل طاقاته بعد. إن إعادة الاعتبار للتكوين تقتضي أولا شجاعة الاعتراف بالاختلالات دون تبرير أو تهوين، لا يكفي أن نرجع كل شيء إلى قلة الإمكانيات أو ضغط الطلب لأن الجودة ليست دائماً مسألة ميزانية بل مسألة إرادة ومعايير كما تقتضي إعادة النظر في آليات الانتقاء، وفي مسارات منح الدبلومات وفي طرق تتبع مسار المكونين حتى لا يبقى المجال مفتوحا أمام من لا يستحقون موقع التأطير. كما أن الشراكة بين الوزارة والجامعة الوطنية للتخييم والجمعيات يجب أن تفهم على أساس تقاسم المسؤولية لا تفويضها، فحين تمنح الجمعيات حق تنظيم التداريب فإن ذلك يفترض مواكبة حقيقية وتقييما دوريا وربطا واضحا بين ما يقدم في التكوين وما يلاحظ في الممارسة داخل المخيمات، ودون هذا الربط ستظل التداريب معزولة عن الواقع و الخطاب الإصلاحي معلقا في الهواء. وفي العمق لا يمكن الحديث عن إصلاح التكوين دون استحضار قيمة الإنسان، فالمؤطر ليس رقما والطفل ليس مستفيدا عابرا والمخيم ليس مناسبة عابرة لملء العطلة، إنهم جميعا جزء من مشروع تربوي يفترض فيه الوضوح والصدق والمسؤولية، وكل تهاون في التكوين هو تهاون في حق الطفل و المجتمع و جيل كامل نعلق عليه آمالا كبيرة. لهذا فإن النقاش حول من يؤطر التداريب وبأي شروط وبأي مستوى ليس نقاشا هامشيا أو تقنيا بل هو نقاش جوهري يمس مستقبل التخييم التربوي في المغرب، إما أن نختار طريق الجودة والاستحقاق ولو كان أصعب وأبطأ أو نستمر في طريق الكم والارتجال ونقبل بما سيترتب عنه من نتائج مؤلمة على المدى المتوسط والبعيد، والاختيار في النهاية ليس مسؤولية جهة واحدة بل مسؤولية جماعية سيحاسبنا عليها التاريخ التربوي لهذا البلد قبل أن يحاسبنا عليها الواقع.

وخلاصة القول إن ما يعيشه التكوين التربوي في مجال المخيمات اليوم لم يعد يحتمل مزيدا من التأجيل أو الصمت، فالاستمرار في التساهل مع خرق الشروط وتطبيع الرداءة وتغليب منطق العدد على منطق الكفاءة لن يؤدي إلا إلى مزيد من التراجع وفقدان الثقة في منظومة يفترض أن تكون رافعة أساسية للتنشئة والقيم، إن المخيم ليس مجالا للتجريب العشوائي ولا التكوين فيه مجالا للمجاملات أو تصفية الحسابات التنظيمية بل هو مسؤولية أخلاقية وتربوية في المقام الأول. إن إنقاذ التكوين يمر عبر إعادة الاعتبار للمعايير وتشديد المراقبة وربط الشهادات بالاستحقاق الحقيقي لا بالانتماء أو التحايل كما يمر عبر استحضار التجارب السابقة التي أثبتت نجاعتها حين كان التأطير موكولا لكفاءات ميدانية مشهود لها وحين كان الزمن التكويني كافيا لبناء المعنى والأثر، فليس العيب في التطور أو في توسيع دائرة الشراكات بل في فقدان البوصلة التي تجعل من الجودة خطا أحمر لا يقبل التفاوض. يبقى الرهان الحقيقي هو الإنسان: المؤطر الذي نريده واعيا ومسؤولا والطفل الذي نريد له فضاء آمنا ومربيا والمجتمع الذي ينتظر من التخييم أن يكون مدرسة للقيم لا مجرد نشاط موسمي ،وبين هذا وذاك يظل التكوين هو الحلقة الحاسمة إما أن نعيد له هيبته ومكانته أو نقبل بأن نكون شهودا على تآكل بطيء لمجال كان ولا يزال أحد أعمدة التربية غير النظامية في المغرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى