الرأي

*الحق في الخطأ والعدالة الدستورية*: حول وجوب حذف عبارة “*ولو رد اعتباره*” من مشروع القانون 66.23.

 

*ذ/ عبد اللطيف أيت بوجبير*:

​​إننا لا نناقش اليوم مجرد “*تعديل تقني*” في مسودة قانون، بل نحن بصدد معركة وجودية حول ماهية الإنسان في فلسفة المشرع المغربي. هل نشرع لـ “*كائنات هلامية*” تدعي العصمة، أم نشرع لـ “*مواطنين محامين*” يخطئون فيصيبون، ويتعثرون فيستقيمون؟

*​أولا: في “لاهوت” النص وقسوة البشر*:

​يقول الحق سبحانه: “*قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ*”.
إذا كان الخالق، جل جلاله، قد فتح باب “*التبديل*” (تبديل السيئات حسنات)، فمن هو المشرع الإنساني ليغلقه بمتراس “*ولو رد اعتباره*”؟
إن هذه العبارة هي “*خطيئة تشريعية*” تعلن اليأس من روح الإنسان، وتصادر حق المحامي في التوبة المهنية والاجتماعية. إنها نصٌّ يأبى الغفران، في حين أن جوهر المحاماة هو الدفاع عن الحق في فرصة ثانية.

*​ثانيا: التناقض الصارخ مع فلسفة “رد الاعتبار”*:

​إن “*رد الاعتبار*” في السياسة الجنائية الحديثة ليس “صدقة” من الدولة، بل هو صك براءة لاحق. هو إعلان قانوني صريح بأن الماضي قد دفن، وأن الشخص قد استعاد طهارته القانونية.
​فكيف يمكن للقانون الجنائي (الأصل) أن يمحو الأثر، ثم يأتي القانون المهني (الفرع) ليحيي العظام وهي رميم؟
​إن الإبقاء على هذه العبارة يجعل من “*رد الاعتبار*” مجرد حبر على ورق، ويحول العقوبة من “*جزاء زمني محدود*” إلى “*لعنة أبدية*” تلاحق صاحبها حتى القبر.

*​ثالثا: المقصلة الدستورية (خمس طعنات في قلب النص)*:

​إن عبارة “*ولو رد اعتباره*” تصطدم بجدار الدستور في خمسة مواضع قاتلة:
1. *خرق مبدأ المساواة (الفصل 6)*: المحامي الذي رُدّ اعتباره هو قانونا في وضعية مطابقة لمن لم يخطئ قط. التمييز بينهما هو تمييز تحكمي لا يستند إلى منطق قانوني سليم.
2. *إهدار مبدأ التناسب*: هل من المتناسب أن يحرم محامي كفء، يحظى بثقة زملائه، من الترشح لمنصب النقيب بسبب خطأ وقع قبل عشرين عاماً ورُدّ اعتباره فيه؟ هذا إعدام مدني، وليس تنظيما مهنيا.
3. *تجاوز صلاحيات التشريع*: التشريع وجد لتمكين المؤسسات، لا لنصب المشانق للأهلية. المنع الدائم هو عقوبة إضافية غير منصوص عليها في الحكم الأصلي، مما يضرب “*مبدأ شرعية العقوبة*”.
4. *​ضرب الأمن القانوني*: كيف يثق المواطن/المحامي في مؤسسة “*رد الاعتبار*” إذا كانت لا تحميه من الإقصاء في قوانين أخرى؟
5. *​مصادرة حق الهيئة الناخبة*: إن منع المحامي من الترشح هو في جوهره “*وصاية*” على إرادة المحامين. اتركوا الصناديق تلفظ من تشاء وتقبل من تشاء، فالمحامون أدرى بنقبائهم.

*​رابعا: في سيكولوجيا الإقصاء.. هل نريد “نقيباً” أم “ملاكاً”؟*

​يقول دوستويفسكي: “*لعل الخطأ الأصيل خير من حقيقة تافهة*”.
إن المحامي الذي أخطأ، وتألم، ثم استعاد اعتباره بنضج وعمل صالح، هو أكثر نضجا وفهما للضعف البشري وللعدالة من ذلك الذي عاش في “*فقاعة الكمال الزائف*”، و *وهم الطهرانية المطلقة*”.
إننا نخشى أن تكون هذه العبارة “*الدخيلة*” على القانون والدين والأخلاق والفلسفة والمنطق السليم قد صِيغت بمداد “*التوجس*” من الديمقراطية المهنية، لإقصاء كفاءات قد لا تروق للبعض، فاستُخدم التاريخ الجنائي الممحو قانونا كسلاح سياسي مهني.

*​الخاتمة: نداء إلى المشرع*:

​إن مهنة المحاماة هي مهنة “*الفرسان*”، والفرس قد يكبو لكنه لا يعدم. إن إزالة عبارة “*ولو رد اعتباره*” ليست انتصارا للمخطئين، بل هي انتصار لـ “*قدسية القانون*” الذي قرر أن رد الاعتبار يمحو ما قبله.

​أيها المشرع.. لا تكن أقسى من الخالق على عباده، ولا تجعل من قانون المحاماة “*سجنا مؤبدا*” للأمل.

نحن نريد نقيبا بشريا، يقودنا بشجاعة من يعلم معنى السقوط والنهوض، لا “*صنما*” منزها عن الخطأ في الأوراق، وفارغا من التجربة في الواقع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى