من أجل برنامج حكومي ضامن للكرامة والمساواة الفعلية لجميع النساء والفتيات
في نداء الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب
تتابع الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب مناقشة البرنامج الحكومي الذي قدمته رئيسة الحكومة أمام البرلمان يوم 19 أكتوبر 2026، باعتباره محطة سياسية ومؤسساتية أساسية لمساءلة التوجهات و الاختيارات التي ستؤطر العمل الحكومي خلال الولاية 2026-2031، وتقييم مدى انسجامها مع المقتضيات الدستورية والالتزامات الدولية للمغرب في مجال المساواة بين الرجال والنساء وحماية حقوق النساء والنهوض بها واستجابتها لحاجيات ومصالح النساء والفتيات.
وتكتسي هذه المحطة أهمية خاصة، بالنظر إلى تولي امرأة رئاسة الحكومة لأول مرة في تاريخ المغرب، بما يحمله ذلك من دلالات سياسية ورمزية في مسار ولوج النساء إلى مواقع المسؤولية وصنع القرار. غير أن أهمية هذا التحول تظل رهينة بمدى انعكاسه على السياسات العمومية، من خلال اعتماد مقاربة مندمجة قائمة على المساواة بين النساء والرجال، وتعزيز المشاركة الفعلية للنساء في صنع سياسات عمومية وترابية تقضي على فجوات النوع الاجتماعي والتمييز وتردي وضع الطبقات الاجتماعية .
وفي هذا السياق، تسجل الجمعية أن البرنامج الحكومي تضمن تعهدات تتعلق بالنهوض بأوضاع النساء، وتعزيز المساواة وتكافؤ الفرص، ودعم التمكين الاقتصادي، ومحاربة العنف، وتوسيع مشاركة النساء في مراكز القرار، وتحسين الولوج إلى الخدمات الاجتماعية، فضلا عن تقوية المؤسسات المعنية بالمساواة والمناصفة. غير أن هذه التعهدات تظل، في مجملها، عامة، ولا تقترن بالقدر الكافي من التحديد الكمي، والآجال الزمنية، والموارد المالية، وآليات التنفيذ والتقييم، على نحو مماثل لما ورد بشأن عدد من الأولويات الاقتصادية والاجتماعية الأخرى.
ويطرح هذا التفاوت تساؤلات جدية حول الإرادة السياسية والمكانة الفعلية للمساواة الفعلية ضمن سلم الأولويات الحكومية، وحول الضمانات السياسية والمؤسساتية والمالية الكفيلة بتحويل التعهدات المعلنة إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ، ونتائج ملموسة يمكن قياس أثرها على حياة النساء والفتيات في مختلف جهات المغرب.
لا يمكن فصل هذه المساءلة عن العلاقة بين البرامج الانتخابية للأحزاب المشكلة للأغلبية والتعاقد الحكومي المشترك. فقد أظهرت نتائج الرصد الذي أنجزته الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب، اعتمادا على 66 مؤشراً لقياس مدى حضور التزامات المساواة وحقوق النساء في البرامج الانتخابية لسنة 2026، تفاوتاً واضحا بين الأحزاب من حيث مستوى إدماج هذه القضايا وطبيعة التعهدات المرتبطة بها. وهو ما يطرح مسؤولية سياسية مشتركة بشأن مدى ترجمة الالتزامات الانتخابية إلى اختيارات حكومية واضحة ومنسجمة، بدل الاكتفاء بتوافقات عامة قد تختزل هذه الالتزامات في حدها الأدنى.

وانطلاقا من مقتضيات الفصل 19 من الدستور، ومن التزامات المغرب الدولية، وفي مقدمتها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وأخدا بعين الاعتبار لواقع المؤشرات المتدنية في ولوج النساء والفتيات للحقوق السياسية والمدنية ، الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية ، تؤكد الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب أن إقرار المساواة الفعلية بين النساء والرجال لا ينبغي أن يظل مجرد مبدأ دستوري أو تعهد سياسي، بل يتعين أن يشكل توجها استراتيجيا وخيارا مهيكلا وموجها لمختلف السياسات العمومية، ومبدأً حاكما لتحديد الأولويات الحكومية وتوزيع الموارد وتقييم النتائج.
وفي هذا الإطار، تدعو الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب الفرق والمجموعات البرلمانية، أغلبية ومعارضة، إلى جعل مناقشة البرنامج الحكومي مناسبة للترافع والمساءلة بشأن إقرار المساواة بين الرجال والنساء كرؤية وكخيار استراتيجي موجه للعمل الحكومي من خلال اعتماد سياسة وطنية مندمجة وشاملة للمساواة ومناهضة التمييز، تتضمن أهدافا ومؤشرات وميزانية واضحة ومحددة على المستويين القطاعي والترابي، وتحدد مسؤوليات القطاعات الحكومية وآليات التنسيق بينها، بما يضمن الإعمال العرضاني لإدماج مقاربة النوع الاجتماعي في إعداد السياسات العمومية وتنفيذها وتقييمها، وذلك عن طريق:
الالتزام بأجندة تشريعية محددة في الزمن للقضاء على التمييز ضد النساء عبر تسريع الإصلاحات القانونية والمؤسساتية الضرورية، وملاءمة التشريعات الوطنية مع الدستور والاتفاقيات الدولية ذات الصلة،خاصة مدونة الأسرة و القانون الجنائي وقانون الشغل … بما يضمن المساواة في الحقوق، ويحمي النساء من مختلف أشكال التمييز، ويكفل لهن الولوج الفعلي إلى العدالة وآليات الانتصاف وجبر الضرر.
- اتخاذ تدابير فعلية لتحقيق المناصفة في مواقع السلطة وصنع القرار عبر وضع أهداف واضحة للتمكين السياسي ، وآليات عملية لتعزيز تمثيلية النساء في المناصب العليا، والمؤسسات والمقاولات العمومية، والهيئات التقريرية، والمجالس المنتخبة، وضمان ولوجهن إلى مواقع المسؤولية في القطاعات الاقتصادية والمالية والاستراتيجية، على أساس المساواة وتكافؤ الفرص والاستحقاق دون محسوبية أو زبونية.
- جعل مناهضة العنف ضد النساء أولوية حكومية من خلال تعزيز آليات الوقاية والحماية والتكفل والانتصاف وجبر الضرر في القانون والفعل ، والتصدي لمختلف أشكال العنف، بما فيها العنف السياسي والاقتصادي والرقمي، وتوفير الموارد البشرية والمالية اللازمة لتفعيل التدابير المعتمدة، وضمان وصول النساء والفتيات إلى مختلف خدمات الحماية والعدالة دون تمييز.
- ضمان الاستقلال الاقتصادي والمساواة المهنية للنساء عبر اعتماد تدابير ملموسة للرفع من مشاركة النساء في سوق الشغل، ومحاربة التمييز في الولوج إلى العمل والترقي المهني والأجور، وتيسير وصولهن إلى التمويل والموارد الإنتاجية، وتعزيز فرص المبادرة الاقتصادية. كما يتعين دعم إحداث وتطوير التعاونيات والمقاولات الاجتماعية التي تقودها النساء، وتيسير ولوجهن إلى التمويل والتكوين والمواكبة التقنية والتسويق، وتعزيز إدماج منتجاتهن في سلاسل القيمة والصفقات العمومية، مع إيلاء عناية خاصة للنساء في الوسط القروي والمناطق الهامشية. بما يضمن تثمين مهاراتهن ومعارفهن، وتحسين دخلهن، وتعزيز استقلاليتهن الاقتصادية، وإرساء اقتصاد اجتماعي وتضامني قائم على المساواة والعدالة المجالية والعمل اللائق.
- إدماج اقتصاد الرعاية في السياسات الاقتصادية والاجتماعية من خلال الاعتراف بالقيمة الاقتصادية والاجتماعية لأعمال الرعاية والعمل المنزلي غير المؤدى عنه،وتثمينه من خلال تقديم دخل ” دخل الكرامة” لمساعدات الأسر ، وتطوير خدمات عمومية وميسرة للرعاية، بما يشمل رعاية الأطفال والأشخاص المسنين والأشخاص في وضعية إعاقة، وتعزيز التقاسم المنصف للمسؤوليات الأسرية بين النساء والرجال، بما يحد من الأعباء غير المتكافئة التي تتحملها النساء ويعزز فرص مشاركتهن الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
- ضمان المساواة الفعلية في الولوج إلى الحقوق والخدمات الأساسية ومختلف خدمات القرب من خلال تحسين الولوج المنصف إلى التعليم والصحة والحماية الاجتماعية والسكن والتكوين، وتقليص الفوارق الاجتماعية والترابية التي تحد من تمتع النساء والفتيات بحقوقهن، مع إعطاء الأولوية للنساء في الوسط القروي والمناطق النائية والفئات التي تواجه أشكالا متداخلة من الهشاشة والتمييز.
- إرساء منظومة حماية اجتماعية شاملة ومنصفة تضمن الكرامة والاستقلالية لجميع النساء من خلال ضمان استفادة جميع النساء، دون تمييز أو إقصاء، من حماية اجتماعية فعالة ومستدامة، تكفل لهن الولوج إلى التغطية الصحية والتعويضات الاجتماعية والتقاعد والتأمين ضد المخاطر الاجتماعية، وتوفر الحماية اللازمة في حالات المرض والأمومة وفقدان الشغل والعجز والشيخوخة والهشاشة الاقتصادية. ويقتضي ذلك تطوير آليات ملائمة لتوسيع التغطية الاجتماعية لتشمل النساء العاملات في القطاع غير المهيكل، والعاملات الزراعيات، والنساء في الوسط القروي، والنساء اللواتي يزاولن أعمال الرعاية غير المؤدى عنها، والنساء في وضعية إعاقة، والنساء المعيلات لأسرهن، مع مراعاة أوضاع النساء الأكثر عرضة للفقر والتهميش. كما يستلزم ضمان استدامة تمويل منظومة الحماية الاجتماعية، وتيسير الولوج إلى خدماتها، وتطوير خدمات عمومية للقرب، بما يضمن الحماية من الفقر والإقصاء، ويعزز الاستقلال الاقتصادي للنساء، ويكرس الحق في العيش الكريم باعتباره حقا أساسيا مكفولا لجميع المغربيات.
- ترجمة الالتزامات المتعلقة بالمساواة والمناصفة إلى اختيارات مالية واضحة من خلال جعل المساواة بين النساء والرجال معيارا موجها لإعداد السياسات المالية والميزانيات العمومية وتنفيذها وتقييمها، بما يضمن توزيعاً منصفا للموارد والثروات، وتوجيه الإنفاق العمومي نحو تقليص الفوارق الاجتماعية والترابية والاقتصادية بين النساء والرجال. ويقتضي ذلك تعزيز الميزانية المستجيبة للنوع الاجتماعي، وتخصيص اعتمادات مالية كافية ومستدامة لتنفيذ السياسات والبرامج الرامية إلى إعمال حقوق النساء، مع اعتماد مؤشرات واضحة لقياس أثر الاختيارات المالية والجبائية والاستثمار العمومي على تحقيق المساواة الفعلية، وضمان الشفافية والمساءلة بشأن مدى وفاء المالية العمومية بالتزامات الدولة في مجال المساواة والمناصفة.
- إقرار آليات مؤسساتية فعالة لتتبع تنفيذ الالتزامات الحكومية وتقييمها من خلال اعتماد أهداف ومؤشرات قابلة للقياس، وآجال زمنية معلنة، وتقارير دورية حول مستوى الإنجاز والنتائج المحققة، بما يتيح مساءلة الحكومة برلمانيا ومؤسساتيا. كما يتعين ضمان مشاركة فعلية للحركة النسائية والحقوقية في عمليات التتبع والتقييم، وتعزيز الشفافية وإتاحة المعطيات الضرورية لتقييم أثر السياسات العمومية على أوضاع النساء والفتيات.
وإذ توجه الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب هذا النداء إلى مختلف مكونات المؤسسة التشريعية، فإنها تدعو الفرق والمجموعات البرلمانية، أغلبية ومعارضة، إلى إدراج هذه الأولويات ضمن مداخلاتها خلال مناقشة البرنامج الحكومي، ومطالبة رئيسة الحكومة بتقديم أجوبة واضحة ومحددة بشأن التدابير التشريعية والمؤسساتية والمالية، والآجال الزمنية، ومؤشرات التقييم الكفيلة بتنفيذ الالتزامات المعلنة في مجال المساواة والمناصفة وحقوق النساء.
كما تؤكد الجمعية أن مسؤولية الفرق والمجموعات البرلمانية لا تنتهي بانتهاء مناقشة البرنامج الحكومي، بل تمتد إلى ممارسة اختصاصاتها التشريعية والرقابية والتقييمية طوال الولاية الحكومية، بما يضمن استمرارية المساءلة بشأن تنفيذ التعهدات، ويحول دون تراجع المساواة والمناصفة إلى مرتبة ثانوية ضمن الأولويات العمومية.
إن الرهان اليوم لا يتعلق فقط بحضور النساء في الخطاب الحكومي أو بإدراج حقوقهن ضمن التعهدات المعلنة، بل بمدى قدرة البرنامج الحكومي على إحداث تحول فعلي في أوضاعهن، وضمان كرامتهن واستقلاليتهن الاقتصادية، وحمايتهن من التمييز والعنف، وتكريس مشاركتهن المتكافئة في مواقع السلطة وصنع القرار.
21 أكتوبر 2026
الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب




