حديث الأربعاء… ها شكون هو رئيس الحكومة الجاية …

عبد الرفيع حمضي

( فلان.
ـ لا لا لا… هذاك حرقوه.
ـ إذن فلان؟
ـ لا… ما عندوش الكاريزما.
ـ وفلان؟
ـ لا… البوسط كبير عليه.
ـ إيوا شكون أسيدي؟
ـ قالت ليا مراتي أنها البارح تلاقات فـSPA مع لالة لوبانة، بنت أخت مرات فلان (لي على بالك )وقالت ليها: راه هو رئيس الحكومة الجاية…)
لعلها حكاية طريفة، لكنها تلخص جانبا من النقاش العمومي الذي يفرض نفسه كلما اقترب موعد الانتخابات التشريعية.
فمنذ أسابيع، بدأت الأسماء تتداول في المجالس ووسائل التواصل الاجتماعي أكثر مما تتداول البرامج والأفكار. هذا مرشح محتمل، وذاك فقد حظوظه، وثالث يملك الكاريزما، ورابع لا يملكها. وكأن الانتخابات قد جرت بالفعل، وكأن صناديق الاقتراع لم يعد لها سوى دور شكلي في المصادقة على ما يروج في الصالونات.
المثير في الأمر أن الحديث لا يدور حول الأحزاب التي ستتنافس، ولا حول المشاريع التي ستعرض على الناخبين، ولا حول الأجوبة المقترحة لقضايا التعليم والصحة والشغل والحماية الاجتماعية. النقاش يدور أساسا حول الأشخاص.
في سنة 1967 نشر المفكر الفرنسي غي ديبور كتابه الشهير “مجتمع الفرجة”، حيث دافع عن فكرة ما تزال راهنية إلى اليوم، مفادها أن المجتمعات الحديثة أصبحت تمنح الصورة والمشهد أهمية تفوق أحيانا أهمية المضمون. ومع مرور الوقت، لم تسلم السياسة نفسها من هذا التحول.
فالسياسة التي كانت مجالا للنقاش حول المشاريع والاختيارات الكبرى أصبحت، في كثير من الأحيان، مادة للتوقع والتشويق وصناعة الأحداث. ولم يعد السؤال: ما البرنامج؟ بل من هو الشخص؟ ولم يعد النقاش: ماذا سيفعل؟ بل هل يملك الحضور والكاريزما؟
ولا يحتاج المرء إلى كثير من الجهد ليلاحظ كيف تسرب هذا المنطق إلى جزء من النقاش السياسي عندنا. فبمجرد ظهور اسم في الإعلام أو في أحاديث الصالونات، تبدأ حوله التحليلات والتوقعات والسيناريوهات. ومع مرور الوقت، يتحول الاحتمال إلى شبه يقين، ثم إلى “معلومة مؤكدة” مصدرها قريب أو صديق أو شخص التقى شخصا آخر في مناسبة ما.
والحال أن الدستور المغربي وضع مسارا واضحا لاختيار رئيس الحكومة. فالناخبون يختارون ممثليهم، والأحزاب تتنافس على ثقتهم، ومن نتائج الاقتراع تفرز الأغلبية التي تقود الحكومة. بمعنى أن الأحزاب والبرامج وصناديق الاقتراع هي نقطة البداية، لا الأسماء المتداولة في جلسات التكهن.
لكن يبدو أن منطق الفرجة أقوى أحيانا من منطق المؤسسات. لذلك نبدأ من النهاية بدل البداية. نبحث عن رئيس الحكومة قبل أن نعرف الحزب الذي سيفوز، ونتحدث عن الأشخاص قبل أن نناقش المشاريع.
وربما يكشف هذا الوضع عن مشكلة أعمق. فحين تكون الأحزاب قوية بأفكارها وبرامجها، يصبح النقاش منصبا على البدائل والسياسات العمومية. أما عندما تتراجع الأفكار إلى الخلف، فإن الأسماء تتقدم لملء الفراغ. وحينها تتحول السياسة تدريجيا إلى منافسة بين الشخصيات أكثر منها منافسة بين الرؤى.
لا أحد ينكر أهمية القيادات السياسية، فالأشخاص يتركون بصماتهم في التاريخ، إيجابا أو سلبا. لكن الديمقراطية الحديثة قامت أساسا على فكرة أن المؤسسات أهم من الأشخاص، وأن القواعد أقوى من الأفراد، وأن تداول السلطة لا تصنعه الشائعات ولا الأحاديث المتداولة في الصالونات، بل تصنعه صناديق الاقتراع.
أما لالة لوبانة، فلا ذنب لها في كل هذا. فهي مثل كثيرين تتفاعل مع مناخ سياسي أصبحت فيه الإشاعة أكثر جاذبية من البرنامج، وأصبح فيه الحديث عن الأسماء أكثر إثارة من الحديث عن السياسات العمومية.
وبين ما يقال وما لا يقال، يبقى السؤال الحقيقي ليس من سيكون رئيس الحكومة المقبلة، بل متى نعود إلى مناقشة ما يهم المواطنين فعلا: أي أحزاب؟ وأي برامج؟ وأي مستقبل نريد لهذا البلد؟




