شناقة الانتخابات.. تجار الأوهام الذين يعيدون إنتاج العبث الانتخابي

مع كل استحقاق انتخابي، تعود إلى الواجهة فئة مثيرة للجدل تُعرف في الأوساط الشعبية بـ“شناقة الانتخابات”، أولئك الوسطاء الذين يتقنون فن بيع الوهم للمترشحين، وتزيين الأرقام، وصناعة نفوذ انتخابي افتراضي لا يصمد أمام اختبار الصندوق.
يظهر هؤلاء كالسماسرة في سوق سياسي مفتوح على كل الاحتمالات، يحملون معهم وعوداً جاهزة: “لدينا 500 ناخب مضمون”، و“نحن نتحكم في هذا الحي”، بل ويتجاوز الأمر أحياناً حدود المعقول حين تُستخرج نسخ من بطائق تعريفية لأشخاص قد يكون بعضهم قد رحل عن الحياة، أو غادر الحي منذ سنوات، أو لا علم له أصلاً بما يُنسج باسمه من صفقات انتخابية.
المقلق في هذه الظاهرة أنها لا تُقدَّم لمترشح واحد، بل تُسوَّق كـ“بضاعة قابلة لإعادة البيع” لكل من يرغب في خوض السباق الانتخابي داخل نفس الدائرة، حيث يتحول نفس الوسيط إلى خبير في “توزيع الأصوات” على أكثر من مرشح في اليوم نفسه، دون أي اعتبار للحد الأدنى من المصداقية السياسية أو الأخلاقية.
وفي مشهد لا يخلو من المفارقة، تُفتح بيوت بعينها لاستقبال لقاءات انتخابية، فتتحول إلى فضاءات متنقلة للحملات، تستقبل أكثر من مرشح في اليوم ذاته، وكأن الأمر يتعلق بقاعة متعددة الوظائف، لا بمنازل يفترض أنها تعكس انحيازاً أو موقفاً سياسياً أو اجتماعياً واضحاً.
“شناقة الانتخابات” ليسوا مجرد ظاهرة عابرة، بل هم امتداد لمنطق وساطة يقتات على اللحظات الانتخابية، تماماً كما يفعل “شناقة الرحبة” في الأسواق التقليدية، حيث لا قيمة للمنتوج إلا بقدر ما يدرّه من ربح سريع، بعيداً عن أي رؤية أو التزام أو بناء حقيقي للثقة بين المواطن والمؤسسة المنتخبة.
والمفارقة الكبرى أن هذا الواقع يجد بيئة خصبة حين تغيب الأحزاب عن أدوارها الأساسية خلال سنوات ما بين الاستحقاقات، حيث يُترك الفراغ التنظيمي والسياسي، ليملأه وسطاء لا يؤمنون بالعمل الحزبي بقدر ما يؤمنون بموسم الانتخابات كفرصة للربح السريع.
إن استمرار هذا النمط يُضعف العملية الديمقراطية برمتها، ويحوّل التمثيلية السياسية إلى سوق موسمي، تُباع فيه الأصوات وتُشترى فيه الوعود، بدل أن تكون ثمرة تأطير سياسي حقيقي وقواعد انتخابية راسخة تُبنى على الثقة والعمل الميداني المستمر.
ويبقى السؤال المطروح بإلحاح: إلى متى ستظل بعض الأحزاب أسيرة وسطاء اللحظة، بدل بناء تنظيمات حقيقية قادرة على الاستغناء عن “شناقة الانتخابات” وإعادة الاعتبار لفعل سياسي نزيه ومسؤول؟




