بين الرقمنة والعدالة المجالية: الشركة الجهوية متعددة الخدمات الدار البيضاء–سطات تعيد تشكيل خدماتها

في خطوة تحمل أكثر من دلالة، أعلنت الشركة الجهوية متعددة الخدمات الدار البيضاء–سطات عن حزمة من الإجراءات الجديدة التي لا تندرج فقط في إطار تحسين الخدمات، بل تعكس تحولا عميقا في فلسفة تدبير المرفق العمومي، عنوانه الأبرز: “تقريب الخدمة من المواطن وتبسيط حياته اليومية”.
لم يعد أداء فواتير الماء والكهرباء رهينا بمكان السكن أو الوكالة الأصلية، كما كان في السابق. اليوم، أصبح بإمكان الزبون تسديد فواتيره في أي وكالة تابعة للشركة عبر تراب الجهة، وفي شباك واحد، دون تعقيدات إدارية أو تنقلات مرهقة. خطوة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل في عمقها بعدا اجتماعيا مهما، خاصة لفائدة الفئات التي تعاني من محدودية التنقل أو ضغط الوقت.
هذا التحول لم يأتِ بمعزل عن رؤية أشمل، حيث تم تعزيز قنوات الأداء لتشمل شبكة واسعة تضم أزيد من 5500 نقطة أداء، إلى جانب الخدمات الرقمية عبر منصة “Fatourati” والتطبيقات البنكية. بذلك، تنتقل الخدمة من نموذج تقليدي قائم على الحضور الفيزيائي، إلى نموذج هجين يزاوج بين الرقمي والميداني، بما يواكب التحولات المجتمعية.
وفي سياق تعزيز العدالة المجالية، أطلقت الشركة برنامجا طموحا لإحداث وكالات جديدة، خاصة في المناطق القروية وشبه الحضرية، مع اعتماد وكالات متنقلة تجوب المناطق البعيدة. الهدف واضح: إنهاء “مغرب السرعتين” في الولوج إلى الخدمات الأساسية، وضمان حق متساوٍ لجميع المواطنين.
أما على مستوى العلاقة مع الزبناء، فقد تم إحداث مركز موحد للعلاقة مع الزبون (CRC)، يعمل على مدار الساعة، ويعالج مئات الآلاف من المكالمات سنويا. هذا المركز لم يعد مجرد فضاء لتلقي الشكايات، بل تحول إلى منصة تفاعلية للإصغاء والتوجيه والمواكبة، ما يعكس انتقال الإدارة من منطق “الرد” إلى منطق “التفاعل”.
ومن أبرز المستجدات أيضا، اعتماد منظومة دقيقة لقراءة العدادات، ترتكز على القراءة الفعلية باستخدام تطبيقات رقمية تتيح إدخال المعطيات بشكل فوري وموثوق، مدعومة بصور للعدادات. هذا الإجراء يعزز الشفافية ويحد من النزاعات المرتبطة بالفوترة، خاصة في ظل حساسية هذا الملف لدى المواطنين.
الأهم من ذلك، أن الشركة أكدت بشكل صريح أن التعريفات لم تعرف أي زيادة، وأن الفوترة تستند حصريا إلى الاستهلاك الفعلي، مع إمكانية التحقق من جميع المعطيات. رسالة واضحة لطمأنة الرأي العام في ظل سياق يتسم بارتفاع تكاليف المعيشة.
اليوم، ومع أكثر من 5 ملايين زبون، تضع الشركة الجهوية متعددة الخدمات نفسها أمام تحدي مزدوج: الحفاظ على جودة الخدمة من جهة، ومواكبة الطلب المتزايد من جهة أخرى. وهو ما يفرض استثمارات مستمرة في البنيات التحتية والموارد البشرية، إلى جانب تعزيز الحكامة والشفافية.
في المحصلة، ما يجري ليس مجرد تحديث تقني، بل إعادة صياغة لعلاقة المواطن بالمرفق العمومي، تقوم على القرب، السرعة، والثقة. وهي معادلة إذا ما استمرت بنفس الزخم، قد تشكل نموذجا يحتذى به في باقي جهات المملكة.





