الرأي

كنزة أبو رمان… حين تعبر الإدارة من التدبير إلى الفلسفة

 

محمد كلوين: رئيس الجامعة الوطنية للتخييم

ليست بعض التعيينات مجرد انتقال إداري من مكتب إلى آخر بل هي لحظة دلالية في مسار مؤسسة بأكملها.هكذا يبدو مسار السيدة كنزة أبو رمان التي صنعت داخل وزارة الشباب والثقافة والتواصل ـ قطاع الشباب ـ تجربة لا تختزل في منصب بل تقرأ كتصور متكامل للفعل التربوي.منذ تعيينها مديرة للطفولة والشباب لم تكن مجرد مسؤولة توقع المراسلات بل كانت ـ إن جاز الاستعارة ـ “حصان طروادة” إيجابيا؛ دخلت إلى دواليب الإدارة لا لتخترقها بل لتعيد ترتيبها من الداخل بهدوء العارف وصلابة المقتنع.

اشتغلت على قدم وساق واضعة مشروعا تربويا واضح المعالم، منسقا مع قسمي المخيمات ومؤسسات الشباب ومبنيا على شراكة فعلية مع الجامعة الوطنية للتخييم. كانت حاضرة في كل الدورات التكوينية لا حضور بروتوكول بل حضور مشاركة.ومن يعرف العمل الميداني يدرك أن الحضور الفعلي في التفاصيل الصغيرة هو ما يصنع الفرق في السياسات الكبرى.و حين نتحدث عن كنزة أبو رمان فإننا لا نتحدث عن “إدارة تنفيذية” فقط بل عن عقل نقدي يؤمن أن التربية ليست نشاطًا موازيا بل هي البنية التحتية للمستقبل. تستحضر في عملها روح جون ديوي الذي كان يرى أن المدرسة ليست مكانا لتلقين المعرفة بل فضاء لتجربة الديمقراطية عمليا.وهذا ما تجسد في فلسفتها داخل البرنامج الوطني للتخييم ومؤسسات الشباب:التخييم ليس عطلة بل مختبر مواطنة والنشاط الشبابي ليس ترفا بل تدريب على الحياة العامة.

و تعتمد في رؤيتها كذلك على الفكر النقدي و منطق يكاد يكون رياضيا في هندسة البرامج؛توازن بين الموارد والأهداف، بين الإمكان والواجب، بين الطموح والواقعية وكأنها تستلهم من يورغن هابرماس مفهوم “الفعل التواصلي” حيث لا قيمة لقرار لا يُبنى على الحوار.لقد عرفها العاملون نموذجا للإدارة التي تجمع بين الحزم ونبل المعاملة.هنا يمكن استحضار ما كتبته إليزابيث الثانية في فلسفة القيادة الهادئة: السلطة لا تمارس بالصوت المرتفع بل بالثبات والالتزامات صوتها الهادئ كان يحمل قرارات حاسمة وابتسامتها لم تكن مجاملة اجتماعية بل رسالة طمأنة في فضاء إداري كثيرا ما يستهلك الأعصاب.وفي هذا المعنى تبدو قريبة من تصور نيكولو مكيافيلي حين تحدث عن ضرورة أن يجمع القائد بين القوة والحكمة لكن مع فارق أخلاقي واضح:فهي لم تمارس الحزم كأداة هيمنة بل كأداة تنظيم.

 

إن تعيين كنزة ابو رمان مديرة لمديرية تنظيم الحياة المدرسية والأنشطة الموازية والتوجيه المدرسي والمهني بوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة ليس صدفة بل نتيجة منطقية لمسار متراكم.

إنه انتقال من فضاء الشباب إلى فضاء المدرسة لكنه في العمق انتقال للمعنى ذاته،

بناء الإنسان قبل بناء الأرقام.

لو استعرنا تحليل كارل ماركس لقلنا إن البنية التحتية لأي مجتمع تبدأ من التربية.والحياة المدرسية ليست هامشا بل هي المصنع الرمزي للقيم.هنا ستجد كنزة أبو رمان مجالا أوسع لتطبيق فلسفتها ،تنظيم الحياة المدرسية باعتبارها فضاء لصناعة الوعي والأنشطة الموازية باعتبارها مختبرا لاكتشاف الذات والتوجيه المدرسي باعتباره فعلا استشرافيا لا إجراء إداري.حين نصفها بأنها “أستاذة العالم” فنحن لا نبالغ بقدر ما نؤكد على دور المرأة في هندسة المعنى.تذكرنا بشجاعة نوال السعداوي في الدفاع عن وعي المرأة بذاتها لكن في سياق إداري تربوي حيث التحرر يعني تمكين الفتاة والفتى معا من أدوات التفكير النقدي كما أن في شخصيتها صلابة تشبه ما وصفه فولتير حين دعا إلى العقلانية والتسامح؛ فهي حداثية دون قطيعة ونقدية دون عداء

وحازمة دون قسوة.لو قرأنا تجربتها بعين أنثروبولوجية لاستحضرنا كلود ليفي ستراوس الذي رأى أن المجتمعات تبنى على أنساق ثقافية عميقة ،والتربية ليست سوى إعادة إنتاج لتلك الأنساق أو إصلاحها.ان مشروعها الذي اشتغلت عليه مع الجامعة الوطنية للتخييم وأطر الوزارة لم يكن مجرد برنامج سنوي بل محاولة لإعادة صياغة الثقافة التربوية داخل المخيمات ومؤسسات الشباب.وتعيينها الجديد وإن ترك فراغا في قطاع الشباب يفتح أفقا أوسع لتوسيع التجربة داخل المدرسة المغربية. لقدوصفت بأنها “المرأة الحديدية” لكنها في الحقيقة تجمع بين الحديد والمرونة.صلابة في المبدأ،

مرونة في الوسيلة وذكاء في قراءة السياق.ان القيادة عندها ليست استعراضا بل مسؤولية والمنصب ليس امتيازا بل أمانة.

 

كنزة أبو رمان ليست مجرد اسم إداري بل تجربة تقرأ في ضوء الفلسفة التربوية الحديثة ،وانتقالها إلى مديرية تنظيم الحياة المدرسية ليس نهاية مرحلة بل بداية تأثير أوسع وإن كانت ستترك فراغا في قطاع الشباب فإنها ستملأ فضاء أرحب في المدرسة المغربية حاملة معها روح التخييم وعقلية الشراكة وفلسفة الحوار وإيمانا عميقا بأن التربية ليست وظيفة بل مشروع أمة.هكذا تتحول الإدارة من تدبير يومي إلى رؤية ومن قرار مكتوب إلى معنى حي ومن منصب عابر

إلى أثر طويل المدى في ذاكرة الأجيال.

 

ليست المناصب سوى عناوين مؤقتة في كتاب الزمن أما الأثر فهو الفصل الذي يبقى بعد أن تطوى الصفحات.وهنا تكمن قيمة التجارب التي تبنى على الرؤية لا على الظرف وعلى الفكرة لا على الامتياز.إن انتقال السيدة كنزة أبو رمان من تدبير قطاع الشباب إلى هندسة الحياة المدرسية ليس مجرد تحول إداري بل هو انتقال في مستوى التأثير؛ من فضاء الشباب الحر إلى فضاء المدرسة المؤسس ومن صناعة اللحظة التربوية إلى صياغة النسق التربوي ذاته.

الفلسفة تعلمنا أن المعنى لا يسكن في المواقع بل في الممارسة.وكما يرى يورغن هابرماس فإن شرعية الفعل تنبع من قدرته على إقناع العقل الجماعي لا فرضه وكما يؤكد جون ديوي فإن التربية ليست إعدادا للحياة بل هي الحياة نفسها.لهذا فإن القائد التربوي الحقيقي لا يقيس نجاحه بعدد القرارات بل بعمق التحول الذي يتركه في الوعي الجمعي.المنصب قد يتغير لكن الفكرة إذا كانت أصيلة فإنها تعبر المواقع كما يعبر الضوء النوافذ المختلفة دون أن يفقد جوهره.ليست “المرأة الحديدية” هي من لا تنحني بل من تعرف متى تنحني لتصغي ومتى تقف لتصلح ومتى تمضي لتبدأ من جديد ،والحداثة ليست شعارات ترفع بل شجاعة تفكير ونزاهة فعل واستعداد دائم لمراجعة الذات.هكذا تصبح الإدارة فلسفة تمشي على قدمين ويصير المنصب مسؤولية معنى ويتحول العمل التربوي من إجراء يومي

إلى أثر ممتد في مستقبل وطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى