الجبل الأخضر بسيدي بنور… هضبة خضراء تحكي ذاكرة الروح والطبيعة بين دكالة والرحامنة

على الحدود الفاصلة بين دكالة والرحامنة، ينهض الجبل الأخضر بإقليم سيدي بنور كمعلمة طبيعية وتاريخية صامتة، تختزن في تضاريسها ذاكرة جماعية ممتدة عبر قرون. ليس مجرد مرتفع جغرافي وسط السهل، بل فضاء روحي وبيئي شكّل، في فترات مختلفة، مقصدًا للنساك والمتعبدين ومنتزهًا للسلاطين والوجهاء، قبل أن يتحول اليوم إلى شاهد على تحولات المكان والإنسان.
ويُعد الجبل الأخضر من أبرز المعالم الطبيعية بالمنطقة، إذ يتميز بغطاء نباتي كان، إلى عهد قريب، أكثر كثافة من محيطه، ما جعله يبدو كواحة خضراء وسط الامتداد السهلي. هذا الامتياز البيئي أكسبه اسمه، ورسّخ مكانته كمرعى موسمي للماشية وملاذ للسكان خلال فترات القحط.
تاريخيًا، ارتبط الجبل بالتصوف والزهد، حيث كان مقصدًا للنساك والمتعبدين الذين اختاروا عزلته للتأمل والعبادة. كما تشير روايات محلية إلى أن سلاطين ووجهاء مرّوا به واتخذوه متنزهًا طبيعيًا، لما يوفره من هدوء وإشراف على السهل، في زمن كانت فيه الطبيعة جزءًا من طقوس السلطة والراحة.
اجتماعيًا، لعب الجبل دورًا محوريًا في حياة القبائل المجاورة، إذ شكّل حدًا طبيعيًا للفصل بين مجالات الرعي، ونقطة التقاء موسمية في بعض المناسبات ذات الطابع الروحي. وقد ظل حاضرًا في الذاكرة الشعبية كفضاء للتلاقي والتسامح وتقاسم الموارد، رغم ما عرفته المنطقة من توترات ظرفية في سنوات الجفاف.
بيئيًا، عرف الجبل الأخضر تراجعًا ملحوظًا في غطائه النباتي بفعل التغيرات المناخية والاستغلال غير المنظم، غير أنه ما يزال يحتفظ بجاذبيته الطبيعية، خاصة خلال مواسم الأمطار، حيث يستعيد شيئًا من خضرته ويؤكد قابليته لأن يكون مؤهلاً بيئيًا وسياحيًا إذا ما توفرت رؤية محلية للحماية والتثمين.
اليوم، يقف الجبل الأخضر عند مفترق طرق: بين ذاكرة غنية مهددة بالنسيان، وإمكانيات واعدة لإعادة الاعتبار لمعلمة طبيعية وتاريخية يمكن أن تشكل رافعة للتنمية المحلية. فهل يحظى هذا الفضاء بما يستحقه من عناية، أم يظل مجرد اسم في الذاكرة الشفوية لأهل المنطقة؟




