أفغانستان وطالبان وسفير الأمريكان في الدارالبيضاء

محمد الشمسي

0

انتدبتني المؤسسة الإعلامية التي كنت أشتغل فيها صحافيا لحضور مؤتمر عقده سفير أمريكا بالمغرب في أحد الفنادق الفخمة بالدارالبيضاء مطلع القرن الماضي بالتزامن مع الغزو الأمريكي لأفغانستان، لوح السفير الأمريكي يومها بصفحة من جريدة مغربية تصدر بالألوان توثق لطائرة حربية أمريكية ترمي القنابل على كابول من السماء مثل سهام المطر…ثم حذر السفير جموع الصحافيين المغاربة من “تسويد” صورة أمريكا في مخيلة الشعوب، لأن أمريكا تغزو أفغانستان لاجتثاث الإرهاب حسب قول السفير.
كان لي شرف طرح سؤال على معالي السفير يومها حول إنسانية وقانونية وشرعية الانتقام الأمريكي لقتلاه في 11 شتنبر 2001 بإزهاق أرواح شعب أعزل فقير، فقلت له إذا كان ما تعرضت له أمريكا عملا إرهابيا وهو كذلك، أفليس القتل الجماعي بكل أصنافه إرهابا؟، وهل يجوز الرد على الإرهاب بإرهاب أفظع منه؟…وهل يمكنكم يا معالي السفير أن تجمعوا صحافيي ولاية أمريكية لتفتوا عليهم ما يكتبون وما لا يكتبون في صحفهم؟…
أذكر أن السفير الأمريكي تبسم في وجهي وخاطبني بلغة عربية فصيحة وقال على ما تذكره ذاكرتي “مقاربتك غير موفقة، هناك إرهاب ونحن ندافع عن أنفسنا وعن العالم من هذا الإرهاب”…وأعطى الكلمة للصحافي الموالي.
وبعد 20 سنة تنسحب أمريكا من أفغانستان وتعود طالبان لبلدها، لكن كثيرين اليوم يقعون ضحايا الإعلام الغربي المضلل ونظيره العربي التابع ويرشقون حركة طالبان بألسنتهم، من أن مقاتليها بدائيون في الملبس، وغلاة في التعامل، ومتطرفون في الفكر، ينكرون الحقيقة الساطعة أن مقاتلي طالبان هم أفغان يقاومون الاحتلال الأمريكي المدعوم غربيا، وقد وقف أصحاب “القلوب الرهيفة” يتباكون على حال المرأة الأفغانية في زمن طالبان، سيكسونها بكومة من الثياب باعتبارها “عورة”، لكن كيف هو حال المرأة عند أهل البدلات العصرية بربطات العنق والعطر الفاخر في باريس وبروكسيل؟، لقد سن “المتحضرون” قوانين تمنع المرأة من لباس يتماشى مع معتقدها، وألزموها بذلك، ثم “عروها تعرية” كشيء جذاب شهي يُسِّهل بيع سيارة أو الترويج لعلك أو سيجارة، لتبقى المرأة ضحية لدى طالبان كما هي ضحية لدى الغرب حليف الأمريكان، ثم خافوا على الحق في الحياة، وتناسوا يوم هاجموا بلدا بل بلدانا وقصفوها بكل أنواع القنابل حتى أنهم كانوا يهدون الجبال فوق أفغان مارسوا حقهم الشرعي في التصدي لغزو بلدهم…
ثم إنهم يريدون ديمقراطية أفغانية بمقاس غربي، يسعون بتعال وعجرفة الى محو تاريخ الشعوب وثقافاتها وتحويلها الى نسخ ممسوخة من الثقافة الغربية، يعتقدون أنه لا مهرب ولا مخرج إلا بوصفة الديمقراطية بالمقادير الغربية، علما أن الديمقراطية في مجملها ليست غاية بل هي مجرد وسيلة لتحقيق العدل والرخاء والتوزيع العادل للثروة وضمان الحريات، وأي نظام يكفل الحقوق والحريات فهو غاية منشودة، ويتناسون أن صناديق الاقتراع خادعة براقة فهي التي وضعت الحزب النازي في سدة الحكم واختارت هتلر زعيما…
في الختام فطالبان حركة أصولية متطرفة فعلا، ولتطرفها ظروفه وأسبابه وأركانه وبيئته، لكن ما يشفع لها أنها حركة مقاومة يدفع مقاتلوها أرواحهم دفاعا عن وطنهم لطرد المحتل، على أن غزو البلدان وقتل شعوبها هو كذلك تطرف، ويصبح تطرفا أشد عندما تقوم به دولة ذات سيادة ومؤسسات وليس مجرد حركة متمردة…

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.