بعد توقف «درابور».. من أين تأتي رمال البناء؟ ومن يراقب جودتها؟

أعاد توقف شركة «درابور» المتخصصة في جرف الموانئ وتثمين الرمال، وما رافقه من مسار التصفية القضائية، إلى الواجهة واحداً من أكثر الملفات حساسية في قطاع البناء والأشغال الكبرى: مصدر الرمال المستعملة في الخرسانة ومواد البناء، ومدى احترامها للمعايير التقنية والبيئية المعمول بها.
فمع تراجع أو توقف أحد الفاعلين المعروفين في مجال جرف الرمال، تطرح فعاليات مهنية ومدنية أسئلة حول مصادر الرمال التي تغذي حالياً السوق، خصوصاً تلك الموجهة إلى معامل الخرسانة والأوراش الكبرى. هل تأتي من المقالع المرخصة؟ أم من الرمال البحرية؟ أم من الكثبان الرملية؟ وهل تخضع جميع هذه المواد للمراقبة والاختبارات الضرورية قبل استعمالها في البناء؟
السؤال لا يتعلق فقط بمصدر الرمال، وإنما أساساً بجودتها ومدى ملاءمتها للاستعمال الذي توجه إليه. فالرمل المستخدم في الخرسانة ليس مجرد مادة مالئة، وإنما عنصر أساسي يؤثر في خصائص الخرسانة ومتانتها وسلامة المنشآت على المدى الطويل.
وتزداد علامات الاستفهام عندما يتعلق الأمر بالرمال البحرية، بالنظر إلى ما يمكن أن تحمله من أملاح وكلوريدات وشوائب، وهي عناصر تستوجب معالجة ومراقبة دقيقة قبل إدخالها في بعض استعمالات البناء. وهنا يبرز سؤال مباشر: هل يتم غسل الرمال البحرية فعلاً قبل استعمالها؟ وأين تتم هذه العملية؟ ومن يراقب فعاليتها؟
فالقول إن الرمل «مغسول» لا يكفي في حد ذاته لإثبات مطابقته. الفيصل هو التحليل المخبري الذي يحدد طبيعة المواد الموجودة فيه ونسبها ومدى احترامها للمواصفات التقنية المطلوبة حسب نوع الاستعمال.
أما رمال الكثبان، فتطرح بدورها إشكالاً تقنياً مختلفاً، بسبب نعومة حبيباتها وتدرجها الحبيبي، وهو ما يجعل صلاحيتها للخرسانة مرتبطة بمواصفات دقيقة وبنوع الاستعمال. وبالتالي، فإن إدخال أي رمل من الكثبان إلى أوراش البناء لا ينبغي أن يكون مسألة مرتبطة فقط بالسعر أو الوفرة، وإنما بمدى مطابقته للمواصفات التقنية المعتمدة.
وفي ظل هذه التساؤلات، تبدو الحاجة ملحة إلى توضيح رسمي حول سلسلة الرمال كاملة: من نقطة الاستخراج إلى نقطة الاستعمال.
من يمنح تراخيص استخراج الرمال؟ من يراقب المقالع؟ من يتأكد من مصدر الرمال التي تصل إلى معامل الخرسانة؟ هل تخضع الشحنات لتحاليل منتظمة؟ وهل يحتفظ الموردون والمعامل بنتائج هذه التحاليل؟ وهل تتم مراقبة الرمال البحرية للتأكد من مستويات الأملاح والكلوريدات والشوائب قبل استعمالها؟
ثم هناك سؤال آخر لا يقل أهمية: هل تتوفر كل الأوراش الكبرى على نظام فعلي لتتبع مصدر مواد البناء التي تدخل إليها؟
هذه الأسئلة تكتسي أهمية أكبر مع استمرار المغرب في تنفيذ أوراش كبرى في مجالات الطرق والسكك الحديدية والموانئ والملاعب والبنيات التحتية والعمران. فكلما اتسع حجم الاستهلاك، ازدادت أهمية ضمان جودة المواد الأولية المستعملة في هذه المشاريع.
ولا يتعلق الأمر هنا بإدانة نوع معين من الرمال أو التشكيك في كل الموردين، وإنما بضرورة تطبيق قاعدة بسيطة: كل مادة تدخل في منشأة يفترض أن تخضع للمراقبة التي تثبت ملاءمتها للاستعمال.
ومن هذا المنطلق، قد يكون من المفيد أن تفتح الجهات المختصة تحقيقاً تقنياً حول سلسلة توريد الرمال، خصوصاً في المناطق التي تعرف نشاطاً عمرانياً وأوراشاً كبرى، وأن يتم نشر المعطيات المتعلقة بمصادر الرمال المستعملة وطرق مراقبتها، بما يعزز الشفافية ويحمي المهنيين والمستهلكين على حد سواء.
فإذا كانت الرمال البحرية تخضع للغسل، فليكن السؤال: أين، وكيف، وتحت أي مراقبة؟ وإذا كانت الرمال تأتي من الكثبان، فالسؤال: هل تتوفر على الخصائص التقنية التي تسمح باستعمالها في الخرسانة؟ وإذا كانت من المقالع، فالسؤال: هل مصدرها مرخص وهل تخضع الشحنات للمراقبة؟
في نهاية المطاف، القضية ليست قضية «درابور» وحدها، ولا قضية مورد أو شركة بعينها، بل قضية جودة وسلامة وشفافية في قطاع البناء.
والسؤال الذي ينتظر جواباً واضحاً من الجهات المعنية هو: بعد توقف «درابور» وتغير خريطة سوق الرمال، من أين تأتي الرمال التي تدخل اليوم إلى أوراش المغرب، ومن يضمن للمغاربة أنها تستوفي المعايير؟




