بين النقد وسوء الفهم.. لماذا يُهاجَم البرلماني بسبب الغياب عن دائرته الانتخابية؟

تتصاعد بين الفينة والأخرى موجات انتقاد واسعة تطال عدداً من البرلمانيين بسبب ما يُوصف بـ”الغياب عن الدوائر الانتخابية” أو ضعف التواصل المباشر مع المواطنين، خاصة بعد انتهاء الاستحقاقات الانتخابية. وتتحول هذه الانتقادات في كثير من الأحيان إلى حملات على مواقع التواصل الاجتماعي تتهم المنتخبين بـ”الاختفاء” وعدم الوفاء بالوعود، في وقت يرى فيه متابعون أن جزءاً من هذا الجدل يرتبط بسوء فهم لطبيعة الدور الحقيقي للبرلماني داخل المؤسسة التشريعية.
فبحسب مقتضيات الدستور والاختصاصات المخولة لأعضاء البرلمان، فإن المهمة الأساسية للبرلماني لا تتمثل في التدخل المباشر لحل المشاكل الفردية أو تدبير الملفات الإدارية اليومية للمواطنين، بل ترتكز أساساً على التشريع ومراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية، إلى جانب الترافع حول القضايا الكبرى التي تهم الدوائر التي يمثلها داخل قبة البرلمان.
ويؤكد مهتمون بالشأن السياسي أن عدداً من المواطنين ما يزالون يخلطون بين اختصاصات البرلماني والجماعات الترابية أو السلطات المحلية، إذ يُنتظر من البرلماني أحياناً التدخل في قضايا مرتبطة بالبنية التحتية، والإنارة العمومية، والرخص الإدارية أو مشاكل اجتماعية ذات طابع محلي، وهي ملفات تدخل غالباً ضمن اختصاصات المجالس المنتخبة المحلية أو الإدارات الترابية.
وفي المقابل، لا ينفي هذا الطرح أهمية التواصل السياسي والقرب من المواطنين، باعتباره جزءاً أساسياً من العمل التمثيلي، حيث يُفترض في البرلماني الإنصات لانشغالات الساكنة ونقلها إلى المؤسسات المختصة، والتفاعل مع انتظارات المواطنين عبر آليات الوساطة والترافع البرلماني، غير أن ذلك لا يعني تحويل النائب البرلماني إلى فاعل تنفيذي أو مسؤول إداري محلي.
ويرى متابعون أن جزءاً من الأزمة يعود أيضاً إلى طبيعة الحملات الانتخابية التي تُضفي أحياناً طابعاً خدماتياً على صورة البرلماني، ما يرفع سقف انتظارات المواطنين ويُنتج لاحقاً حالة من الإحباط حين يكتشف الناخب أن اختصاصات المنتخب البرلماني تختلف عن التصورات السائدة.
وفي ظل هذا الجدل المتجدد، يبرز مطلب تعزيز الثقافة الدستورية والسياسية لدى الرأي العام، بما يسمح بفهم أوضح للأدوار المؤسساتية وتوزيع الاختصاصات، ويُسهم في تقييم أداء البرلمانيين على أساس أدوارهم الحقيقية في التشريع، ومراقبة الحكومة، والدفاع عن القضايا الوطنية والمحلية تحت قبة البرلمان، بدل اختزال تقييمهم فقط في الحضور الميداني أو القرب اليومي من المواطنين.




