القفطان والكذبة الوطنية: عندما تفضح اليونسكو الأوهام الجزائرية

بقلم: مراقب ساخر
في مشهد مخجل ومقزز يذكرنا بحكايات “ملابس الإمبراطور” الخيالية، لكن بنسخة شمال أفريقية مأساوية هزلية، وقفت الجزائر مؤخرًا أمام العالم عارية ورقيا، مكشوفة وثائقيا، منهزمة تاريخيا، محاولة أن تلبس ثوبًا ليس لها، فإذا باليونسكو تأتي بمقص الحقيقة لتقطع الخياطة الواهية.
لم تكد تخرج العبارة من فم الرئيس عبد المجيد تبون، حتى تحولت إلى عقيدة وطنية. “القفطان جزائري”.. جملة بسيطة، لكنها أصبحت أساسًا لبناء أسطورة حديثة، وكما هو حال الأوهام الجماعية، التقط الشعب والإعلام والدولة الخيط وبدأوا في نسج بطولات وهمية حول قطعة قماش، وكأن التطريز قد تحول إلى ساحة معركة و”التراز” أصبح جزءًا من المقاومة ضد المستعمر!
جاءت جلسة اليونسكو كمحكمة دولية لكشف الزيف والأوهام، دخل المغرب محملًا بوثائق تاريخية، وشهادات متحفية، وأدلة ملموسة ضاربة جدورها في عمق التاريخ وتمتد عبر قرون، ودخلت الجزائر محملة… بخطاب وهمي، وادعاءات فارغة، وتأكيدات خادعة، وهتافات إعلامية لا تصمد أمام أدنى تدقيق.
كان المشهد أشبه بمقارنة بين بائع متجول يدعي ملكية اللوفر، ومتحف اللوفر نفسه يأتي بشهادات الملكية ودفاتر الحسابات وسجلات الزوار منذ القرن الثامن عشر.
لم تكن النتيجة مفاجئة إلا للذين اختاروا أن يعيشوا في الوهم، صوت العالم للحقيقة، للتاريخ، للجغرافيا، للعراقة والثقافة المتجذرة، وصوت العالم ضد عقد النقص، ضد محاولات السطو الثقافي، ضد تزوير التاريخ، ضد تحويل الكذب والبهتان إلى سياسة دولة.
هذه القصة تصلح لأن تكون فصلًا دراسيًا في “كيف تُدمر السمعة الدولية لدولة في جلسة واحدة!؟”. لقد حولت الجزائر قضية ثقافية بسيطة إلى هزيمة دبلوماسية مدوية، وكشفت للعالم أن بعض الأنظمة مستعدة لاختلاق تاريخ بديل عندما يعجز تاريخها الحقيقي عن منحها الشرعية التي تبحث عنها.
اليونسكو، بتصويتها، لم تمنح المغرب مجرد تسجيل تراثي فحسب، بل أعادت الكيان الطارئ على الجغرافيا والتاريخ إلى حجمه الطبيعي: دولة حديثة النشأة تحاول اختلاق جذور في تربة ليست تربتها.
السؤال الآن: ما هو العنصر التراثي التالي الذي ستقرر الجزائر نسبه إليها؟ ربما الأهرامات المصرية، أو سور الصين، أو باب االمغاربة، أو برج إيفل، أو ربما تعلن أن التانغو أرجنتيني الأصل… لا، انتظروا، هذا صحيح بالفعل.
الخلاصة الساخرة لما حصل هي أنه عندما تريد أن تسرق تراثًا، على الأقل تأكد من وجود وثائق تزورها جيدًا، الكذب يحتاج إلى إتقان، وإلا فالعالم سيفضحك.




