لماذا نصوت؟

ادريس حسناوي

0

لعل سؤال “لماذا نصوت؟” هو السؤال الأكثر ديمقراطية بين جميع الأسئلة الممكنة في السياسة، لأنه ديمقراطي بشهادة التاريخ على اعتبار أنه اِحياء للماضي باسترجاع الديمقراطية الأثينية مرجع كل الديمقراطيات، وهو محاولة لدمقرطة الحاضر والمستقبل في نوع من التعالي الجماعي لخلق مجتمع/دولة أفضل. كما أنه ديمقراطي لأنه مزعج بالنسبة للمرأة والرجل، للفقير والغني، للمتعلم والأمي…

يتمخض الذهن بالكثير من الأجوبة الممكنة بيد أنها تبقى عاجزة عن قتل هذا السؤال الذي يكتسب مناعته من أمل عظيم بميلاد مجتمع/دولة أفضل ومن مسلسل طويل من خيبات الأمل. لا يجب الاِنزعاج من سؤال الاِنتخاب لأنه صحي سياسيا حين نقدره حق قدره ونتناوله بشيء من التعقل كفكرة وممارسة سياسيتين.

لا ننكر أن الممارسة الاِنتخابية في المغرب تبقى هجينة لا ترقى للممارسة الديمقراطية الحقيقية ولو أنها تدعي ذلك شكليا، ففي ظل أمية سياسية تتغذى على جميع أشكال الأمية تبقى مفاهيم التصويت باللائحة والقاسم الاِنتخابي مفاهيم صعبة المنال سواء من حيث الفهم أو الممارسة، ولعل بعض المشاهد المضحكة المبكية لمرشحين يتسابقون لوضع ملفات ترشيحهم للفوز بالخانة الأولى للملصق اعتراف صريح بالأمية السياسية للفئة الناخبة.

من أجل بناء مناعة سياسية من جهة، وممارسة الاِنتخاب بشكل حضاري باعتباره المدخل الأساسي لمجتمع الاِنسانية الحقيقي القائم على العقد الاِجتماعي وجب على الأقل الاِستناد لمبدأين اثنين يتوزعان من حيث الفهم والممارسة على كل شرائح الفئة الناخبة بحيث يصبان معا في نفس البوثقة، وهي ممارسة الاِنتخاب بشكل حضاري، راشد، واع وحر:

لو سلمنا فرضا بكوننا أمام فئة ناخبة تملك وعيا سياسيا يسمح لها بحد أدنى من المعرفة بالأحزاب و برامجها و مرجعياتها الفلسفية، و أنت تقرأ برنامج الحزب اِستحضر و لو القدر الضئيل من المعرفة الفلسفية في السياسة و التاريخ على الخصوص لتتبين مرجعية الحزب و مبادئه، و بالتالي منظوره لممارسة السلطة، وفق هذا المبدأ و فقط ستفهم كيف للاِشتراكي أن يتبنى خطابا ليبراليا، و كيف لليبرالي أن يتبنى خطابا اِشتراكيا، حينها ستكشف عن القواعد المجهولة في الخطاب على حد تعبير ميشيل فوكو، و ستفهم جيدا معنى الكوجيطو المعاصر “نفكر حيث لا نوجد و نوجد حيث لا نفكر”

أما المبدأ الثاني فيخص الذي يفكر في التصويت على الشخص وهو يوجد في ظل ممارسة اِنتخابية تقوم على اللائحة، وهذه هي ممارسة السذج للسياسة، فعلى الأقل يجب أن نتحرى في هذا الشخص مجموعة من القدرات التي ستسمح له بتدبير الشأن العام بنجاعة بغض النظر عن شخصه أو نسبه أو جنسه… كالقدرة على التواصل والتفاوض والتدبير الإداري وهندسة المشاريع…الخ

هذا هو المدخل الكفيل بضمان تجويد الممارسة الاِنتخابية والرقي بالفعل السياسي رغم كثرة المثبطات، آنذاك فقط يمكننا الإجابة عن سؤال “لماذا نصوت؟” بشكل عملي وفعال

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.