بئس عالم يغيره فيروس ولا يغيره علماء

محمد الشمسي

0

يوجد العالم في حالة ذهول غير مسبوقة أمام جائحة كورونا، فقد تأكدت الشعوب أنها وقعت ضحية إعلام مضلل أوهمها أن الإنسانية حققت من التقدم والتطور ما يسعفها في قهر كل الأخطار والنكبات، وأن أزمنة غزو الأوبئة لبني البشر قد ولت بلا رجعة مع اللقاحات والأدوية، ولم يعد الحديث عنها يصلح سوى لأفلام هوليود، بل إن ذلك الإعلام المخادع أوهم الجميع أن الإنسانية مهيأة للتصدي لهجمات كائنات قادمة من عوالم أخرى، أو دحر الزلازل والبراكين والعواصف… وأن ثمة فقط لائحة صغيرة من الأمراض المستعصية تسابق المختبرات الزمن للتخفيف من اكتساحها في انتظار التوصل لعلاج ينهيها تماما.
ولم يكن أشد المتشائمين يعتقد أن الإنسان الذي غزا الكواكب وغاص في أعماق المحيطات، والإنسان الذي جعل العالم كله في ذاكرة حاسوب، والإنسان الذي اخترع قنبلة بإمكانها أن تبيد ليس فقط كوكب الأرض بل العالم كله بنقرة على زر، والإنسان الذي اخترع نسخة من إنسان آلي يجري العمليات الجراحية المعقدة ويفك شيفرة المعادلات المركبة، هذا الإنسان بكل هذه الأمجاد يقف اليوم مرعوبا مذعورا مختبئا في بيته، العيون على وسائل الأعلام تحصي الإصابات والوفيات، والأيدي على القلوب من الفزع والتوجس، أمام حملة وبائية يقودها ضده عدو غريب عنيف قاتل، لا يعرف علماء الأوبئة عنه سوى الإسم، فيروس حطم الأنظمة الصحية لأعتى الدول، كما تحطم السيول العاتية الجدران الواهية، فيروس صعق الإنسانية التي اكتشفت أنها عاشت أكبر كذبة في التاريخ، وأنها تواجه وباء في القرن الواحد والعشرين بما لا يختلف عن أوبئة القرون الوسطى، حيث لا صوت يعلو على صوت الهروب والانهزام والرهبة والكل يتضرع لمعبوده ويستغيث به.
حتما لن يكون العالم بعد كورونا هو نفسه قبله، وتبقى شعوب العالم مطالبة بالتحرك لمنع قادة الدول الكبرى من إغراق سفينة كوكبنا الأزرق، عن طريق إعادة ترتيب أجندة أولويات البشرية، وعدم إهدار الكثير من الجهد والمال في التسلح وإثارة النعرات والحروب بين الدول لأجل بيع تلك الأسلحة للخصمين، والحد من منسوب العداء العنصري الذي يعلنه ويتبناه قادة كبار الدول نحو عدد من الدول والشعوب، وتحرير ثروات الشعوب المستضعفة، وسن قانون دولي يوجب على الدول تخصيص حيز هام من ميزانياتها للنهوض بالتعليم والصحة والدمج بينهما لجعل التعليم يخدم الصحة من حيث البحث العلمي، ويشيع الوعي بين الناس قصد تقويتهم في النكبات، فمن المخجل ألا يعرف الناس كيف يغسلون أيديهم غسلا صحيا ووقائيا، ومن المخجل أن يفزع الناس في الأزمات فزع الحمير المستنفرة، ومن المخجل أن ندعو الله دون أن نضع شيئا من القطران على المرض.

ومادامت صيحات المثقفين لم تقو على تغيير هذا العالم، في زمن هجر الناس الثقافة وارتموا في أحضان السخافة، فها قد جاء كورونا ليلقننا جميعا درسا في الخروج عن النص، فبئس عالم يغيره فيروس.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.