تربية وتعليم

حين تصبح الأستاذة الحلقة الأضعف: من يحمي كرامة نساء ورجال التعليم من حملات التشهير والابتزاز المعنوي؟

 

ليس من المقبول أن تتحول المؤسسات التعليمية إلى فضاءات تُستباح فيها كرامة الأستاذات والأساتذة، أو أن يصبح التلويح بالشكايات ونشر الروايات أحادية الجانب على مواقع التواصل الاجتماعي وسيلةً لممارسة الضغط عليهم، قبل أن تقول الجهات المختصة كلمتها بناءً على تحقيق موضوعي وأدلة ملموسة.
إن ما نشرته صفحة «24Bouskoura tv24» بشأن أستاذة بإحدى المؤسسات التعليمية ببوسكورة، استناداً إلى رواية أسرة تلميذة، يفرض طرح سؤال جوهري: من يحمي الأستاذة من الاتهامات التي قد تتحول، بمجرد نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى إدانة شعبية تسبق التحقيق وتُصدر الأحكام دون الاستماع إلى الطرف الآخر؟
لا أحد يجادل في حق الأسرة في الدفاع عن ابنتها، ولا في ضرورة حماية المتعلمين من كل أشكال العنف والإساءة. لكن هذا الحق لا يمنح أي طرف رخصة لتقديم اتهام غير محسوم باعتباره حقيقة ثابتة، ولا لتوظيف المنابر الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي للضغط على أستاذة والنيل من سمعتها المهنية والشخصية.
إن الأستاذة ليست الحلقة الأضعف التي يجوز التضحية بكرامتها تحت ضغط الروايات المتداولة، وليست مطالبة بإثبات براءتها أمام محكمة مواقع التواصل الاجتماعي. فمن يتهم عليه أن يقدم ما يدعم ادعاءاته أمام الجهات المختصة، ومن حق الأستاذة أن تُسمع روايتها كاملة، وأن تتمتع بقرينة البراءة، وأن تحظى بالحماية من التشهير والاتهامات التي لا تستند إلى أدلة ثابتة.
والأمر الذي يستحق التوقف عنده هو ما أورده المنشور بشأن رفض الأستاذة تقديم اعتذار أو تحمل مصاريف العلاج. فهل أصبح رفض الاعتذار أو تحمل نفقات مالية دليلاً على الإدانة؟ وهل يكفي أن تطالب أسرة بتعويض أو مصاريف علاج حتى تصبح الأستاذة ملزمة بالاستجابة، بصرف النظر عن ثبوت المسؤولية؟ إن المسؤولية لا تُحدد بالضغط أو الإملاءات، وإنما وفق الوقائع والأدلة والمساطر القانونية.
وإذا كان نشر هذه الرواية قبل استكمال التحقيق يرمي إلى إحراج الأستاذة ودفعها إلى تقديم تنازلات تحت ضغط الرأي العام، فإن الأمر يستدعي الوقوف عند احتمال الابتزاز المعنوي والتشهير بالسمعة المهنية، مع ضرورة التحقق من الوقائع قبل الجزم بوجودهما. والتعميق في البحث إن كانت هناك أياد خفية تسعى الى المس من كرامة ونزاهة الأستاذة،
إن كرامة الأستاذة ليست أمراً ثانوياً، وسمعتها المهنية ليست مباحة لكل من أراد أن يقدم روايته الخاصة إلى الرأي العام. فكم من اتهام قد يترك أثراً بالغاً في المسار المهني والنفسي للمدرس، حتى عندما لا تثبت مسؤوليته لاحقاً؟ ومن يتحمل مسؤولية الضرر الذي قد ينجم عن نشر اتهامات غير مثبتة وتداولها على نطاق واسع؟
إن الدفاع عن الأستاذة في هذه القضية ، يعني رفض منطق الإدانة المسبقة، والتأكيد على أن العدالة تقتضي الاستماع إلى الطرفين، والتحقق من الأدلة، وحماية الجميع من كل أشكال التعسف.
وعليه، فإن المطلوب اليوم هو تمكين الأستاذة من حقها الكامل في الدفاع عن نفسها، وفتح تحقيق مهني نزيه، والتحقق من ظروف الواقعة، مع التصدي لأي محاولة محتملة لاستغلال الشكايات أو التشهير للضغط عليها. كما ينبغي على الجهات التربوية المختصة ألا تترك نساء ورجال التعليم في مواجهة حملات التشهير بمفردهم، وأن توفر لهم الحماية المؤسسية والقانونية اللازمة.
فالمؤسسة التعليمية لا تستقيم بإهدار كرامة الأستاذ، كما لا تستقيم بالتساهل مع أي كان ساهم من بعيد أو قريب في الإساءة للأستاذة . ويبقى الفرق كبير بين المطالبة بالإنصاف والسعي إلى فرض الإدانة قبل ظهور الحقيقة.
فالأستاذة مواطنة لها حقوق، وكرامتها ليست موضوعاً للمساومة، وسمعتها ليست مباحة للتشهير. والتحقيق العادل هو الطريق إلى الحقيقة، لا المحاكمات الافتراضية ولا الضغوط الإعلامية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى