تأملات حول قرار المحكمة الدستورية رقم 89.19 … بخصوص القانون رقم 38.15 المتعلق بالتنظيم القضائي

0

مقدمة:
أصدرت المحكمة الدستورية القرار رقم 89.19 بخصوص القانون عدد 38.15 المتعلق بالتنظيم القضائي، بتاريخ 2 جمادى الآخرة 1440 الموافق ل 8 فبراير 2019، وهو القرار الموقع من طرف جميع أعضائها، والذي بعد مناقشة ضَافِيَةً تناولت القانون موضوع الإحالة من حيث الشكل كما تناولته من حيث الموضوع، وقضت فيه بعدة مقتضيات، تأرجحت بين القول بمخالفة جملة من المقتضيات للدستور، وبانسجام غيرها -مما كان موضوعا- لبعض الدفوعات مع مبادئه وقواعده، وغير ذلك مما هو مُفصل في منطوق القرار، الآتي نصّه:
أولاـ من حيث الإجراءات المتبعة لإقرار القانون رقم 38.15 المتعلق بالتنظيم القضائي:

تصرح بأن مسطرة إقرار التعديلات المُدخلة من قبل مجلس النواب، في القراءة الثانية، على المواد 7 و23 و48 و52 و71 و96 و103 و107 من القانون المتعلق بالتنظيم القضائي، غير مطابقة للدستور؛
ثانيا- من حيث موضوع القانون المتعلق بالتنظيم القضائي:
تقضي بأن:
1- المادة 19 (الفقرة الأولى) في عدم مراعاتها لطبيعة عمل النيابة العامة في تنظيم كتابة الضبط في هيئة واحدة، والمادة 23 (الفقرة الثالثة) فيما نصت عليه من تخويل الكاتب العام أداء مهام كتابة الضبط، والمواد 27 (الفقرة الأولى) و28 (الفقرة الأولى) و93، فيما خولته من صلاحيات تقريرية للكاتب العام في أشغال مكتب المحكمة المتعلقة بالشأن القضائي، والمواد 27 (الفقرة الثانية) و28 (الفقرة الثانية) و60 و78، فيما نصت عليه من تعيين وكيل الملك والوكيل العام للملك ممثلين لهم للقيام بمهام النيابة العامة لدى المحاكم الابتدائية التجارية ومحاكم الاستئناف التجارية، والمواد 32 (الفقرة الأخيرة) و35 و96 (الفقرة الثالثة) فيما أغفلته على التوالي من تحديد المسطرة المتبعة في حالة عدم تمكن الجمعية العامة من عقد اجتماعها بسبب عدم حضور ثلث الأعضاء، وحالة عدم مصادقة الجمعية العامة خلال اجتماعها الثاني على مشروع برنامج عمل المحكمة، والمادتين 49 (الفقرة الأخيرة) و72 (الفقرة الأخيرة) فيما أسندتاه من صلاحية للرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية لتعيين قضاة الأسرة المكلفين بالزواج، والقضاة المكلفين بالتوثيق، والقضاة المكلفين بشؤون القاصرين، والقضاة المكلفين بالتحقيق، وقضاة الأحداث، وقضاة تطبيق العقوبات، بالنسبة للمحاكم الابتدائية، والمستشارون المكلفين بالأحداث والقضاة المكلفين بالتحقيق لدى محاكم الاستئناف، والمادة 52 فيما أوكلته من مهام قضائية لمكتب المساعدة الاجتماعية، غير مطابقة للدستور؛
2- المواد من 102 إلى 109 تكتسي طابعا تنظيميا، وأن مضمونها ليس فيه ما يخالف الدستور مع مراعاة التفسيرات المقدمة بشأنها؛
3- باقي مواد القانون ليس فيها ما يخالف الدستور، مع مراعاة التفسيرات المقدمة بشأن المواد 7 (الفقرة الأولى) و19 (الفقرة الثانية) و23 (الفقرة الرابعة)، وكذا المواد المرتبطة بها، منه؛
ثالثاـ تأمر برفع قرارها هذا إلى علم جلالة الملك، وبتبليغ نسخة منه إلى كل من السيد رئيس الحكومة، والسيد رئيس مجلس النواب، والسيد رئيس مجلس المستشارين، وبنشره في الجريدة الرسمية.”

يقف المطلع على هذا القرار والمتأمل في تفاصيله عند عدد من الإشكالات، ليست إلا إفرازا لسياقه التشريعي الذي عمّر حوالي خمس سنوات، لم تخلُ من أخذ ورد ظل مُستحكِما إلى أن تمّ التصويت على صيغته النهائية في الجلسة العامة بعد قراءة ثانية للغرفة الأولى، وكان ذلك بتاريخ 18 دجنبر 2019؛ وبقليل من إمعان النظر في تلك الإشكالات تجدها تتمحور حول قضيتين مركزيّتين، تتعلق الأولى بمستويات التدبير الإداري والمالي للمحاكم وموقعها من السلطتين القضائية والتنفيذية وعلاقتها بمضمون الإدارة القضائية؛ بينما تتعلق الثانية بمستويات تحصين استقلالية السلطة القضائية واختصاصاتها.
إنّ هاتين القضيتين الإشكاليتين، حولهما تمحورت جُلّ مقتضيات قرار المحكمة الدستورية موضوع هذه التأملات؛ فإذا كانت هذه الأخيرة قد جاءت في قرارها بمقتضيات غاية في الجودة والإحكام كما هو شأن إقرارها بعدم دستورية المسطرة المتبعة من طرف غرفتي البرلمان والتي لم يتم خلالها احترام مبدأ التداول بينهما بخصوص المواد 7 و23 و48 و52 و71 و96 و103 و107؛ ونفس الشيء بخصوص الإقرار بدستورية التقارير التي ينجزها الوزير المكلف العدل والمتعلقة بأداء المسؤولين القضائيين على مستوى الإدارة القضائية، أو بخصوص ما تمّ إسناده من مهام للرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية أو للوكلاء العامين للملك أو لوكلاء الملك مع أنه اختصاص دستوري للمجلس الأعلى للسلطة القضائية؛ فإنّ هناك مقتضيات أخرى لم تَتّسِم بنفس القدرِ من الإحكام.
ولمناقشة ما استقرّ عليه رأي المحكمة الدستورية في قرارها، آثرت تصنيف المقتضيات التي جعلتها موضوعا للتأمل، إلى أصناف ثلاثة بناء على ما تطرح من إشكاليات، فخصّصت الصنف الأول لمقتضيات لم يَستَوفِ فيها القرار شرط التعليل، وتناولت في الثاني مقتضيات خالَفَ فيها القرار الثابت من القانون والممارسة، أما الصنف الثالث، فخصصته لمعالجة مقتضيات اعتراها شيء من الاضطراب على مستوى التقعيد.
لكن، وقبل الشروع في تأمل مقتضيات قرار المحكمة الدستورية، لابد أن أُذكّر في هذه المقدّمة بخصوصية إحالة القانون رقم 38.15 على المحكمة الدستورية، والتي تحمل إشارات كثيرة من شأن فحصها أن يُفضي إلى القول بأنّ الأمر يتعلّق بطعن بعدم دستورية مجموعة من المواد، وليس فقط مجرّد إحالة من أجل البت في دستورية هذا القانون ؛ لكن، سواء تعلق الأمر بطعن أم بمجرّد إحالة عادية، فإنّ قرار المحكمة الدستورية بهذا الخصوص، جدير بأن يكون موضوعا للتأمل والمناقشة الهادئة، وهو ما حاولت الإسهام فيه بهذه التأملات، من خلال المحاور الثلاثة أسفله:
المحور الأول: تأملات في بعض المقتضيات المشوبة بعيب في التعليل
المحور الثاني: تأملات حول مُخالفة بعض المقتضيات للثابت من القانون والممارسة
المحور الثالث: تأملات في المقتضيات التي شابها شيء من الاضطراب على مستوى التقعيد

المحور الأول:
تأملات في بعض المقتضيات المشوبة بعيب في التعليل
إن قضيّة تعليل المقررات القضائية بشكل عام والقرارات الصادرة عن المحكمة الدستورية بشكل خاص، قضيّة جوهرية لا محيد عنها، وهي من القواعد القانونية التي تتميّز بكونها آمرة ومُلزمة؛ وقد أكدّ ذلك القانون التنظيمي رقم 066.13 المتعلق بالمحكمة الدستورية في الفقرتين ما قبل الأخيرة من المادة 17 منه، واللتان جاء فيهما: “تصدر قرارتها باسم الملك وطبقا للقانون. ويجب أن تتضمن هذه القرارات في ديباجتها بيان النصوص التي تستند إليها وأن تكون معللة وموقعة من قبل الأعضاء الحاضرين بالجلسة التي صدرت خلالها” ، ولابد من الإشارة في هذا المقام، إلى أن المشرّع ومن باب ترسيخ الصفة الآمرة والملزمة “للتعليل”، أقرّ في الفصل 359 من قانون المسطرة المدنية إلى أن انعدامه من الأسباب المُخوّلة لطلب نقض الأحكام الموسومة بذلك، وهو ما يُفضي إلى فتح قوس بخصوص قرارات المحكمة الدستورية في الحالة التي يشوب بعض مقتضياتها عيب في التعليل، إذ لم يتطرق المُشرّع إلى هذه القضية في القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية، واكتفى بالحديث عن الصبغة الإلزامية لتعليل مقرراتها، فإلى أي حدّ يمكن اعتبار كل مقتضيات القرار 89.19 معلّلة؟
هذا ما سأحاول مقاربته فيما يلي:
أولا: تأملات حول القول بأن ممارسة الكاتب العام لمهام كتابة الضبط المُندرجة في الشأن القضائي مُخالفة للدستور
قضى القرار بأنّ تخويل الكاتب العام للمحكمة أداء مهام كتابة الضبط المندرجة في الشأن القضائي، دون إخضاعه لسلطة ومراقبة المسؤول القضائي خلال مزاولته لتلك المهام، مخالف للدستور ؛ وهو المقتضى الذي يثير عدة ملاحظات، أهمها ما يلي:
1- إنّ القول بأن ممارسة الكاتب العام لمهام كتابة الضبط المندرجة في الشأن القضائي مخالف للدستور، يقتضي بالضرورة، وجود قاعدة قانونية دستورية تقول بأن المهام المندرجة في الشأن القضائي خاضعة للسلطة القضائية ، وأمام غياب هذه القاعدة، يكون هذا القول مشوبا بعيب في التعليل، بل ولانعدام الأساس القانوني المُسنِد لذلك المقتضى؛
2- بالرجوع إلى الحيثيات التي أسّس قرار المحكمة الدستورية عليها هذا المقتضى، يُفاجأ القارئ بأنّها لا تفي بالغرض، وأنّها أفرطت في العموميات المُفتقرة إلى ضبط المعنى، والعموم كما يقول علماء الأصول “يُفيد كلّ شيء ولا يُفيد أيّ شيء”، فكما يمكن أن يدخل تحته أيّ مقتضى بوجه من الوجوه، فإنه في ذات الوقت لا يُمكن أن يشمل أيّ شيء على وجه التفصيل إلا إن تمّ إخراجه من العموم إلى الخصوص؛ ولبيان ذلك أسوق الحيثية المُعتمدة بشكل مباشر في ذلك المقتضى والتي جاء فيها: “وحيث إن الكاتب العام طبقا للمادة 23 (الفقرتين الثالثة والأخيرة) من القانون المُحال، يُعيّن من بين أطر كتابة الضبط، ويمكنه أن يباشر مهام كتابة الضبط، وهو بهذه الصفة أيضا موضوع تحت سلطة ومراقبة الوزير المكلف بالعدل” ، فهل يمكن اعتماد هذه المعطيات للقول بأن ممارسة الكاتب العام لمهام كتابة الضبط التي تدخل في الشأن القضائي مُخالف للدستور ؟ علما أن الحيثية حدّدت ثلاثة معطيات كالآتي:
• الكاتب العام يُعيّن من بين موظفي إلى كتابة الضبط؛
• يمكن للكاتب العام مباشرة مهام كتابة الضبط؛
• الكاتب العام موضوع تحت سلطة ومراقبة وزير العدل.
على هذه المعطيات أسّس القاضي الدستوري ما قضى به، حيث قال: “هذه المقتضيات ستجعل من أحد أعضاء كتابة الضبط في أدائه لعمل ذي طبيعة قضائية، موضوع تحت سلطة ومراقبة السلطة التنفيذية، وليس السلطة القضائية” ؛ فأين تتجلّى المهام ذات الطبيعة القضائية في المعطيات الثلاثة أعلاه ؟
وما هي هذه الأعمال التي اعتبرها قرار المحكمة الدستورية ذات طبيعة قضائية ؟
ولماذا الانتقال من الحديث عن “أعمال ذات طبيعة قضائية” إلى الحديث عن “أعمال تندرج في الشأن القضائي” ؟
لا وجود لأيّ جواب عن هذه الأسئلة الإشكالية، والتي هي جوهر التعليل، ومن ثمّ، فإنّ عدم تحديد دلالة “الطبيعة القضائية”، ودلالة “الشأن القضائي”، وكذلك عدم تحديد الأعمال التي اعتبرها القاضي الدستوري تدخل في الإطار الأول أو الثاني، يجعل القول بأن ممارسة الكاتب العام لمهام كتابة الضبط ذات الطبيعة القضائية مُخالفا للدستور، مشوبا بعيب في التعليل، خلافا لمقتضيات المادة 17 من القانون التنظيمي 066.13 المتعلق بالمحكمة الدستورية، تلكم المادة التي ألزمت القاضي الدستوري بتعليل قراراته.
ثانيا: وقفة مع القول بأن تنظيم هيئة كتابة الضبط في هيئة واحدة مُخالف للدستور
تناول القرار هذه القضية في سياق حديثه عن موظفي كتابة النيابة العامة، مؤكدا على خصوصية مهامهم، وقضى في ذلك بأنّ “عدم مراعاة طبيعة عمل كتابة النيابة العامة في تنظيم كتابة الضبط في هيئة واحدة، مُخالف للدستور” ؛ إلا أنّ الحيثيات التي أسّس عليها قرار المحكمة الدستورية هذا المقتضى، مُفتقرة للأساس القانوني الذي يمكن اعتماده لقبول التعليل؛ وبيان ذلك فيما يلي:
1- أول أساس دستوري اعتمده القرار أعلاه في تأييد توجّهه، هو الاستشهاد بمضمون الفصل 110 من الدستور الذي وضع معيارا ماديا للتمييز بين قضاة الأحكام وقضاة النيابة، بأن جعل هؤلاء يخضعون إلى التعليمات الكتابية والقانونية الصادرة عن السلطة التي يتبعون لها؛ وبقليل من التأمّل، يتجلّى بأن هذه الحيثية، لا علاقة لها بالمقتضى أعلاه، فكون المشرّع الدستوري ميّز بين عمل قضاة الأحكام عن عمل قضاة النيابة العامة، لا يُخوّل القول بعدم دستورية توحيد عمل جهاز كتابة الضبط في هيئة واحدة؛ ثمّ لو صحّ هذا التعليل، لَلزِم تطبيقه على الهيئة القضائية أولا، ولَلَزِم منه أيضا، القول بأنّ تمييز عمل قضاة الأحكام عن قضاة النيابة العامة، يقتضي دستوريا عدم إدراجهم في هيئة واحدة؛ فإذا سقط تنزيل هذا المقتضى على الأصل، سقط من باب أولى تنزيله على الفرع الذي لم يَرِد ذكره في الفصل المُستشهد به من طرف القاضي الدستوري؛
2- توسّل القاضي الدستوري أيضا في تعليل المقتضى أعلاه، بما جاء في الفصل 128 من الدستور من كون الشرطة القضائية تعمل “تحت سلطة النيابة العامة وقضاة التحقيق في كل ما يتعلق بالأبحاث والتحريات الضرورية في شأن الجرائم وضبط مرتكبيها ولإثبات الحقيقة”، إلا أنّ هذا القياس لا يستقيم من وجوه عدة، أُجمل أهمّها في الآتي:
أ‌- بما أنّ فصل السّلط مقتضى دستوري، وبما أنّ المُشرع نصّ عليه في الفصل الأول من الدستور، وبما أنّ الشرطة القضائية تنتمي عضويا إلى السلطة التنفيذية، فإنّ أيّ تبعيّة من طرف أعضائها إلى سُلطةٍ غير السلطة التنفيذية سيُعتبر خَرقا لمقتضى دستوري، ومن ثمّ، ما كان للمشرّع الدستوري، إلا أن أضفى الصبغة الدستورية على هذا الاستثناء الذي يخرج عن القاعدة العامة، ولم يتركه للاجتهاد؛
ب‌- بما أنّ فصل السلط عن بعضها وتعاونها وتوازنها قواعد دستورية، فإنّ أيّ خروج عنها يجب أن يكون بمقتضى دستوري، احتراما لمقتضيات الفصل 6 من الدستور التي أكّدت على تراتبية النص القانوني، ومن ثمّ، فالقول بتبعية موظفي كتابة النيابة العامة لسلطة المسؤولين القضائيين التابعين لرئاسة النيابة العامة بمقتضى قانون عادي، خرق لقاعدتان دستوريتان، الأولى هي قاعدة فصل السلط المنصوص عليها في الفصل الأول من الدستور، والثانية هي تراتبية النص القانوني الذي يُمتنع معه إدخال استثناء على قاعدة دستورية بمقتضى قاعدة تدخل في إطار القانون العادي، وإلا عُدّ هذا الاستثناء مخالفا للدستور؛
ت‌- لقد حدّد المشرع الدستوري في الفصل 128 حدود الاستثناء من القاعدة، وأخضع الشرطة القضائية للنيابة العامة وقضاة التحقيق في مَجالٍ وظيفي محدود، هو الأبحاث والتحريات الضرورية في شأن الجرائم وضبط مرتكبيها ولإثبات الحقيقة، وهي هنا تبعية وظيفية لا علاقة لها بأيّ وجه بنزع هذه الفئة المهنية من الجهاز الذي تنتمي إليه، أو بقطع تبعيتها للسلطة التنفيذية التي تبقى قائمة باستمرار؛ بل إنّ من بين مرامي المشرّع الدستوري من هذا التحديد الدقيق، منع أيّ تدخل للنيابة العامة أو لقضاة التحقيق في الممارسة المهنية لهذه الفئة خارج النطاق المحدّد بدِقة مُتناهية.
3- توسّل القاضي الدستوري في تعليل المقتضى أعلاه إضافة إلى ما سبق، بما جاء في المادة الثانية من القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، تِلكُم المادة التي نصت على كون القضاة يمارسون السلطة القضائية أثناء مزاولة مهامهم القضائية بالمحاكم التي يشملها التنظيم القضائي ؛ ولا يبدو وجه الاستدلال بها في سياق الحديث عن وحدة كتابة الضبط، لأنّ الأمر هنا لا يتعلق بعمل قضاة النيابة العامة، بل بعمل موظفي كتابة النيابة العامة؛ فإذا كان إدراج هذه المادة من قِبَل القاضي الدستوري، من باب إضفاء الصبغة القضائية على مهام كتابة النيابة العامة، فإنّ هذا لا يستقيم من عدة جوانب منها:
أ‌- الأصل في التعليل أن ينبني على التصريح وليس على التلميح، ومن ثمّ، فإذا بدا بأنّ هناك مهاما ذات طبيعة قضائية، كان لزاما على القاضي الدستوري أن يُبيّنها كي يستقيم التعليل، ويدلّ دلالة لا لُبس فيها على طبيعة العلاقة التي تربط السبب بالمسبب، أو التعليل بالمقتضى، هذا مع العلم أنه حينما أتى على ذكر بعض ما يقوم به موظفو كتابة النيابة العامة من مهام، أدرجها في سياق الحديث عن خصوصيتها وتوَقُّفِ عملِ النيابة عليها، ولم يعتبرها صراحة ذات الطبيعة القضائية؛
ب‌- إنّه وإن تمّ التسليم بوجود مهام ذات طبيعة قضائية، فإن الاستدلال يبقى بعيدا، ومشوبا بعيب في التعليل، لأنّ المادة المشار إليها أعلاه، تتحدّث عن ممارسة السلطة القضائية وربطتها بصفة “قاضي”، وهو ما يعني بالضرورة، أنّ ممارسة المهام القضائية من غير القضاة لا تُعتبر ممارسة للسلطة القضائية، وفي ذلك إشارة لطيفة لا يُنتبَه إليها، مَفادها أنّ ممارسة السلطة القضائية تتطلب أمورا ثلاثة، هي الانتماء إلى الجسم القضائي أولا، وأن يكون العمل ذا طبيعة قضائية ثانيا، وأن تكون الممارسة في إطار المحاكم التي يشملها التنظيم القضائي ثالثا، واختلال أحد هذه الشروط يعني أنّنا خارج ممارسة السلطة القضائية؛ كما يُستخلص من هذه المادة أيضا، أن ممارسة العمل القضائي يمكن أن تتمّ من غير القضاة، وأنّ عمل القضاة يمكن ألا يكون من طبيعة قضائية؛ فهذه كلّها واردة في مضمون المادة الثانية المشار إليها أعلا، مما يؤكّد بأنّ التوسّل بها في تعليل تبعية موظفي كتابة النيابة العامة لسلطة المسؤولين القضائيين، والقول بمُخالفة وحدة كتابة الضبط للدستور لا يستقيم من أيّ وجه من الوجوه؛
4- آخر وسيلة توسّل بها قرار المحكمة الدستورية للقول بأن عدم مراعاة طبيعة عمل كتابة النيابة وتنظيم كتابة الضبط في هيئة واحدة مُخالف للدستور، هي قوله بأنّ: “العمل القضائي للنيابة العامة يتوقّف على عمل كتابة الضبط” ، وهذا التوجّه فضلا عن كونه لا يصلح أن يكون تعليلا للمقتضى المشار إليه سلفا؛ فإنّه يغفل عن أمور في غاية الأهمية، من بينها:
أ‌- الارتباط الوثيق بين كلّ المهن القضائية، والذي يقتضي تفعيل مجموعة من المبادئ الدستورية وعلى رأسها “التعاون” و”التوازن”، وليس الاستغناء عنها واعتماد مبدإ لا يتّسم بالدستورية ألا وهو “التبعية”؛
ب‌- إعمال هذا المنطق، من شأنه أن يخلق ارتباكا في أمور شتى، لأنّ العمل القضائي بشكل عام، يتوقف في أجزاء منه على مساعدي القضاء من محامين ومفوضين قضائيين وتراجمة وخبراء وعدول وموثقين وغيرهم؛ بل إن جُزءا مهما من المهام القضائية تكون متوقفة على أعمال تُباشرها أطراف أخرى قد لا تنتمي إلى مساعدي القضاء، ويدخل في هذا المقام كل الإدارات العمومية التي يُقدّم موظفوها خدمات للعمل القضائي أو يرتبط به شق من الأعمال المنوطة بهم، كما هو شأن المؤسسات السجنية، ومؤسسات رعاية الطفولة، والمحافظة على الأملاك العقارية، وإدارة التسجيل والبريد وغيرها من الإدارات؛ هذا دون الحديث عن المؤسسات المنتمية إلى القطاع الخاص؛ وبناء عليه، فإنّ القول بالتبعية بناء على حاجة مؤسّسة ما في عملها إلى عمل مؤسسة أخرى أو حتى توقّفه عليه، ليس له أيّ سند دستوري، وفي المُقابل، يبقى المنطق الدستوري المؤسّس على مبدأي التعاون والتوازن هو الأولى بالاعتماد، خاصة أنّ ذلك المقتضى المشوب بعيب في التعليل، يقتضي من بين ما يقتضيه تبعية كل مساعدي القضاء وكل المؤسسات التي تُقدّم خدماتٍ يتوقف عليها شيء من العمل القضائي، إلى سلطة الأجهزة القضائية، وهو ما لا يمكن التأسيس له قانونا ولا قبوله واقعا.

المحور الثاني:
تأملات حول مُخالفة بعض المقتضيات للثابت من القانون والممارسة

لئن كان قرار المحكمة الدستورية قد جاء بمجموعة من المقتضيات الهامة التي من شأنها أن ترفع الجدل القائم حول بعض المواضيع نظرا لقوة المنطق الدستوري في بنائها، فإنّ هناك مقتضيات أخرى جاءت مُخالِفة لما هو ثابت في القانون أو الممارسة، ولم تُسند قانونا بالشكل الذي يُحدث الاطمئنان إلى ما استقَرّ عليه القرار بخصوصها؛ ويدخل في ذلك أساسا، إقراره بأن الشأن الإداري والمالي مشترك بين السلطة القضائية والسلطة التنفيذية، وتسليمه بأنّ كل الشأن القضائي اختصاص حصري للسلطة القضائية، وتمييزه بين التفتيش القضائي والإداري من حيث مجاله وطبيعة النص المؤطر لمقتضياته لكل منهما؛ فإلى أيّ حدّ ينسجم توجه قرار المحكمة الدستورية المعَبَّر عنه في المقتضيات المتعلقة بهذه المواضيع مع الثابت في القانون والممارسة ؟ وإلى أيّ حدّ يمكن اعتبار بعض الصياغات دقيقة بالشكل الذي لا يُفضي تنزيلها إلى مُخالفة الثابت من القانون والممارسة ؟
هذا ما سأحاول مقاربته فيما يلي:
أولا: تأملات حول القول بأن المجال الإداري والمالي يدخل في إطار المشترك بين السلطتين القضائية والتنفيذية:
ذهب القرار في أكثر من مناسبة، إلى القول بأنّ ما هو إداري ومالي يدخل في إطار المشترك بين السلطتين القضائية والتنفيذية، من ذلك قوله بعد إدراجه للمَوَاطِن التي تم فيها الحديث عن الإدارة أو الإدارة القضائية، إنْ في الدستور، أو في القانونين التنظيميين المتعلقين بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية والنظام الأساسي للقضاة: “يُستفاد من هذه الأحكام، من جهة أولى، أن الإدارة القضائية، في جوانب عمليها الإدارية والمالية، مجال مشترك للتعاون والتنسيق بين السلطتين التنفيذية والقضائية” ، وقوله في مَوطِن آخر بناء على نفس النصوص: “وحيث إنّه، يترتّب على ذلك، أن ازدواجية المسؤولية بالمحاكم، المنصوص عليها في المادة السابعة (الفقرة الأولى) من القانون، تنحصر في المهام الإدارية والمالية للإدارة القضائية” ؛ يبدو أنّ هذا التوجّه يتطلّب الكثير من التدقيق، إذْ إنّ استقراء النصوص الواردة بهذا الشأن، ومنها النصوص التي اعتمدَها قرار المحكمة الدستورية في ديباجته، لا يُخوّل الجزم بأن كل ما هو إداري ومالي داخل المحاكم مجال مشترك، وهو ما سيتجلّى بالتوقف عند هذه النصوص؛ ولمزيد من توخي الدقة، سأميّز ما تعلق بالمهام الإدارية عما تعلق بالمهام المالية.
1- ما يتعلق بالمهام الإدارية:
لقد أقرّ القاضي الدستوري منذ البداية بأن “الدستور، جعل كقاعدة، الإدارة موضوعة رهن تصرف الحكومة” ، وهذا الإقرار كافٍ بمفرده لعد الجزم بأن الإدارة بشكل عام مجال مشترك بين السلطتين، بِغَضّ النظر عن أيّ مقتضى آخر غير دستوري؛ وغير خافٍ أنّ مهمة القاضي الدستوري الأساسية في هذا المقام، هي عرض النص القانوني على النص الدستوري، وبما أنّ النتيجة الأولية لهذا العرض، هي إقرارهُ بأنّ “الإدارة موضوعة رهن إشارة الحكومة كما هو منصوص عليه في الفصل 89 من الدستور”، فلا مجال البتة للقول بأنها مجال مشترك أو الطعن بعدم دستورية تبعيتها للسلطة التنفيذية بناء على نص آخر أقلّ شأنا من الدستور، وإنْ كان هذا النص قانونا تنظيميا، وذلك إعمالا لمبدأ تراتبية النص القانوني المنصوص عليه في الفصل السادس من الدستور.
بناء على ما سبق، فإنّ أقصى ما يمكن الحديث عنه على هذا المستوى، هو أن تكون الإدارة تابعة بالأصالة إلى السلطة التنفيذية، وبالتّبَع إلى السلطة القضائية، ولكن في حدود مضبوطة لا تتجاوز ما كان من قبيل التدبير الإداريّ لعمل مكونات السّلطة القضائية، فهذا لا يختلف اثنان في ضرورة إسناده للمسؤولين القضائيين بالمحاكم باعتبارهم ممثلين للسلطة القضائية وامتدادا لها؛ وبقليل من التأمّل، سيتجلى بأنّ هذا هو ما ذهبت إليه المواد المتعلقة بالإدارة القضائية في القانونين التنظيميين سالفة الذكر، الشيء الذي سيتأكد من خلال ما يلي:
أ‌- نصّت المادة 54 من القانون التنظيمي 100.13 المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية في فقرتها الأولى على أن الهيئة المشتركة “تعمل تحت إشراف كلّ من الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية والوزير المكلف بالعدل، كلّ فيما يخصه، بما لا يتنافى واستقلال السلطة القضائية”، وعبارة “كلّ فيما يخصه”، كافية للدلالة على أن هناك ما هو اختصاص صِرفٌ للجانب القضائي من الإدارة القضائية يجب أن يكون تحت إشراف الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، وهناك ما هو اختصاص صِرفٌ للجانب الإداري منها، أو بتعبير أكثر دِقّة، للجانب الذي لا يرتبط بإدارة عمل المنتمين إلى السلطة القضائية، فهذا يجب أن يبقى تحت إشراف الوزير المكلّف بالعدل؛ إلا أنّه لابد من الأخذ بعين الاعتبار، وجود حالات قد يُؤثّر تنزيل ما يتعلق بإدارة الشق الأول المنتمي إلى السلطة القضائية على الجانب الإداري المنتمي إلى السلطة التنفيذية، أو العكس، كما قد تَرِدُ حالات تُطرح فيها قضايا يصعب الحسم في هويتها؛ هنا، يجب اللجوء إلى التنسيق درءا لأيّ تنازع في السلطة المختصة بالحسم فيها من جهة أولى، وبحثا عن الحلول الفُضلى المشتركة اعتمادا على المقاربة التشاركية من جهة ثانية.
ب‌- امتدادا للقاعدة الدستورية التي أقرها القاضي الدستوري، والتي تجعل السلطة التنفيذية هي الأصل دستوريا في كل ما هو إداري، خَوّل القانون التنظيمي رقم 100.13 في الفقرة الأخيرة من المادة 54 للوزير المكلف بالعدل “حضور اجتماعات المجلس الأعلى للسلطة القضائية من أجل تقديم بيانات ومعلومات تتعلق بالإدارة القضائية أو أي موضوع يتعلق بسير مرفق العدالة […]”، ويحمل هذا المقتضى دلالة واضحة على أنّ الوزير المكلف بالعدل، هو المختص الأول للقيام بهذه المهمة المتعلقة بعمل الإدارة القضائية وليس غيره؛ كما يحمل إشارة واضحة بأنّ حضور هذا الأخير أشغال المجلس وإدلائه ما سبق ذكره من بيانات، ليس فيه أيّ مساس باستقلال السلطة القضائية مع أنه على رأس السلطة التنفيذية في كل ما يتعلق بالعدل؛
ت‌- لم تقف المادة 54 من القانون 100.13 عند ما سبق ذكره أعلاه، بل خوّلت للوزير المكلف بالعدل، حضور اجتماعات المجلس بناء على طلبه، ولم تُخوّل للمجلس رفض الطلب ولا عدم قبوله، وهو ما يعني إمكانية حضوره كلّما بدا له أمر تقديم البيانات المتعلقة بالإدارة القضائية ضروريا، دون أن يكون لذلك أيّ أثر سلبي على استقلالية السلطة القضائية، لأن القرار في نهاية المطاف قرار الأعضاء؛ وإن كانت المعطيات مصدرها السلطة التنفيذية في شخص الوزير المكلف بالعدل الذي ليس له الصفة التقريرية أثناء حضور تلك الاجتماعات؛
ث‌- في نفس السّياق، ومن باب تأكيد القانون التنظيمي رقم 100.13 لما تضمنته الفقرة الثانية من الفصل 89 من الدستور، ذهب في مادته 72 المتعلقة بتعيين المسؤولين القضائيين أو تجديد تعيينهم، إلى ضرورة مراعاة المجلس للتقارير التي يعدّها الوزير المكلّف بالعدل حول مستوى أداء المسؤولين القضائيين بشأن الإشراف على التدبير والتسيير الإداري للمحاكم، وهو ما يعطي للوزير المكلف بالعدل سلطة تقييم الأداء المهني لهؤلاء المسؤولين القضائيين فيما يتعلق بالإدارة القضائية، ولابد من الإشارة هنا، أنّ هذه المادة جاءت عامة وشاملة لكل مقتضياتها، مما لا يستقيم معه حصر دلالتها على بعض مُفرداتها، كالقول بأنّ المقصود بهذا التقرير هو الشق المتعلق بالإشراف على التدبير الإداري لموظفي كتابة الضبط، بل على العكس من ذلك، فهي تشمل كل ما يتعلق بالتدبير والتسيير الإداري الذي يُباشره المسؤولون القضائيون، ولا يخرج من اختصاصها إلا المجال الذي يدخل في إطار العمل القضائي لهؤلاء المسؤولين؛ وهذا المقتضى ينسجم انسجاما تاما مع القاعدة التي أقرها القاضي الدستوري سلفا، والقاضية بكون الدستور جعل الإدارة رهن إشارة الحكومة، وإن كان قد كيّفها مع خصوصية المرفق؛
ج‌- لم يقف القانون التنظيمي رقم 100.13 عند ما سبق بيانه أعلاه، فقد قرّر في المادة 110 على أنّ المجلس يتلقى تقارير حول وضعية القضاء ومنظومة العدالة من طرف عدة مؤسسات، وأدرج الوزير المكلف بالعدل، مباشرة بعد الرئيس الأول لمحكمة النقض والوكيل العام للملك لديها، وقبل الحديث عن المفتشية العامة للشؤون القضائية وكذا الجمعيات المهنية للقضاة، وفي ذلك دلالة قوية على أنّ العلاقة التي يجب أن تربط السلطتين هي علاقة التعاون وليس علاقة التبعية، كما يدل أيضا على أنّ المشرّع جعل اختصاصات السلطة التنفيذية تمتد إلى الجانب الإداري الذي يُمارسه القضاة ذاتهم وليس العكس، ولم يَرَ في ذلك أيّ مساس باستقلالية السلطة القضائية؛
ح‌- لقد ذهب المشرّع أبعد ما سبق على مستوى ترسيخ القاعدة الدستورية التي تجعل الشأن الإداري اختصاصا أصيلا للسلطة التنفيذية، حيث نصّ في المادة 113 من القانون التنظيمي رقم 100.13 على أنّ إقامة المجلس الأعلى للسلطة القضائية لعلاقات التعاون والشراكة مع المؤسسات الأجنبية، مشروط بالتنسيق مع وزارة الخارجية من جهة، وبإشعار وزارة العدل من جهة ثانية؛ ولم يعتبر ذلك مسّا باستقلالية السلطة القضائية، لأنّ سمو الهدف المتعلق بترسيخ قيم التعاون والشراكة مع مؤسسات أجنبية، لا يُمكن أنّ يتمّ في غياب السلطة التنفيذية باعتبارها ذات الاختصاص في إقامة العلاقات الخارجية، وإنْ عَبْر آلِيتي التنسيق والإشعار؛ هذا مع ضرورة الإشارة، إلى أنّ النظام الداخلي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، لم يُشر في المادة رقم 5 إلى شرط التنسيق مع وزارة الخارجية ولا إلى شرط إشعار وزارة العدل، في سياق الحديث عن عقد الاتفاقيات مع المؤسسات الأجنبية، لكن ذلك يبقى مقتضى من المقتضيات المُلزمة التي نصّ عليها المشرّع في القانون التنظيمي رقم 100.13.
وخلاصة القول هنا، أنّ هذا المنطق الدستوري الذي يبدو راسخا في موادّ كثيرة من القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، وجَب أخذه بعين الاعتبار من طرف المشرّع أثناء تنزيل مقتضيات قرار المحكمة الدستورية موضوع هذا التعليق، الذي وإن كان لم يتوسّع في تنزيل المبدأ الدستوري القاضي بأنّ الإدارة موضوعة رهن إشارة الحكومة، إلا أنّ إقراره به كافٍ للأخذ بمقتضاه، بل وقراءة الحيثيات الواردة التي تجزم بكون المجال الإداري مجال مشترك بإطلاق بين السلطتين على ضوء مبادئ الدستور التي رسّخها القانون التنظيمي رقم 100.13، تجنّبا لمُخالَفَةِ ما هو ثابت في النصوص القانونية الدستورية التي فصلت فيها القول أعلاه.

2- ما يتعلق بالمهام المالية بالمحاكم:
لابد من الرجوع هنا إلى ذات الحيثيات التي أفصح فيها قرار المحكمة الدستورية بأنّ الشق المالي يدخل أيضا في إطار المشترك بين السلطتين التنفيذية والقضائية ، مُخالفا بذلك ما هو ثابت في كل النصوص القانونية المرتبطة بالمجال المالي والتي تجعله منوطا بمحاسبين عموميين، علما أنّه لا وجود لأي مقتضى قانوني يجعل المجال المالي المتعلق بتدبير المحاكم خاضعا للسلطة القضائية أو مجالا مشتركا بينها وبين السلطة التنفيذية، ولمزيد من التفصيل، أتقدّم بما يلي:
أ‌- إنّ المادة 72 من القانون التنظيمي رقم 100.13 التي تتعلق بما يَجب على المجلس مراعاته قبل تعيين المسؤولين القضائيين أو تجديد تعيينهم، كانت واضحة في كون التقرير الذي سينجزه الوزير المكلف بالعدل يتمحور “حول مستوى أداء المسؤولين القضائيين بشأن الإشراف على التدبير والتسيير الإداري للمحاكم”، وعدم إدراج المهام المالية، لم يكن من باب إغفال المشرّع لهذا الأمر، بل هو من باب التأكيد على أن التدبير المالي للمحاكم يخرج عن اختصاص السلطة القضائية، كما أنّه لا يدخل البتة في إطار المشترك بين السلطتين؛
ب‌- إنّ المشرع، حتى فيما يتعلق بالوضعيات الإدارية والمالية للقضاة، جعل تنفيذ قرارات المجلس اختصاصا صرفا للسلطة التنفيذية في شخص كلّ من الوزارة المكلفة بالعدل والوزارة المكلفة بالمالية حسب ما ذهبت إليه المادة 55 من القانون التنظيمي رقم 100.13؛
ت‌- الاختصاص المالي الوحيد الذي خوله المشرع للمجلس الأعلى للسلطة القضائية في شخص رئيسه المنتدب على المستوى المالي، هو إعداد مشروع الميزانية السنوية المتعلقة بالمجلس وتنفيذها، ولم يجعل ذلك يمتد نهائيا إلى المحاكم، التي ظلت تابعة بهذا الخصوص للوزارة المكلفة بالعدل حسب المادة 56 من ذات القانون؛ ولابدّ من التأكيد هنا على ما تم تضمينه في الباب المتعلق بميزانية المجلس الذي يضم المواد من 62 إلى 64، فقد مكّنت المجلس من ميزانية خاصة تُرصد من الميزانية العامة للدولة، وخولت للرئيس المنتدب صفة الآمر بالصرف في هذه الحدود، لكن ومن باب التأكيد على أنّ الشأن المالي اختصاص صرف للسلطة التنفيذية، فقد نصت على ضرورة إلحاق محاسب عمومي بالمجلس بقرار من السلطة الحكومية المكلفة بالمالية وليس بقرار للمجلس، حسب المادة 64 من القانون رقم 100.13؛ وهو نفس المنطق الذي رسّخه المشرّع في القانون رقم 33.17 المتعلق بنقل اختصاصات السلطة الحكومية المكلفة بالعدل إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيسا للنيابة العامة وبسن قواعد لتنظيم رئاسة النيابة العامة، في مادتها رقم 7 التي جاء فيها: “يلحق برئاسة النيابة، محاسب عمومي يعين بقرار للسلطة الحكومية المكلفة بالمالية، يتولى القيام بالاختصاصات التي تخولها القوانين والأنظمة للمحاسبين العموميين”.
وخلاصة القول في هذا المقام، أنّ الإقرار بكون المجال المالي يدخل في إطار المشترك بين السلطة القضائية والسلطة التنفيذية، ليس له ما يسنده في النصّ الدستوري، ولا في القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، ولا في غيرهما من النصوص القانونية الأخرى، كما أن الراسخ من الممارسة المهنية في الواقع يؤكد بأنّ الشأن المالي اختصاص صِرف للسلطة التنفيذية.
ثانيا: تأملات حول القول بأن الشأن القضائي اختصاص صِرف للسلطة القضائية
تناول قرار المحكمة الدستورية هذا المقتضى في عدّة مَوَاطِن من القرار رقم 89.19، من بينها قوله: “وحيث إن الشأن القضائي ليس بالموضوع المشترك أو القابل للتنسيق بين السلطتين التنفيذية والقضائية، بل هو اختصاص تنفرد به السلطة القضائية، ويمارسه قضاة الأحكام وقضاة النيابة العامة بكل استقلالية، دون تدخل من سلطة دستورية أخرى، احتراما لمبدأ استقلال السلطة القضائية المُكرس دستوريا” ؛ وقد رتّب القاضي الدستوري على هذا المقتضى أمورا كثيرة أكّد فيها أنّ ازدواجية المسؤولية بالمحاكم تنحصر على المجال الإداري والمالي ولا تمتد إلى العمل القضائي الخاضع للسلطة المباشرة للمسؤولين القضائيين.
إنّ النقاش الدستوري لهذا الموضوع، يُفضي إلى طرح أسئلة إشكالية يتداخل في تركيبتها الإطار القانوني بالواقع العملي، لعلّ أهمّها: من يُمثّل السلطة القضائية ؟ وما هي اختصاصاتها ؟
إنّ الأمر محسوم من الناحية الدستورية، لأن الفصل 115 قد وضع للسلطة القضائية مَجلسا أعلى وحدّد له اختصاصات دقيقة وواضحة، رغم وجود مؤسسة أخرى لها دور كبير في تدبير شق من العمل القضائي، ألا وهي مؤسسة رئاسة النيابة التي قد تبدو أحيانا مؤسسة موازية للمجلس الأعلى، لكن، سواء كانت بالفعل مؤسسة موازية، أو كانت امتدادا للمجلس بحكم سلطتها المباشرة على قضاة النيابة العامة، فإنّ النص الدستوري قد حَسَم بكون الذي يمثّل السلطة القضائية هو مجلسها الأعلى، ولعلّ هذا هو السرّ وراء وصفه ب”الأعلى”، ورئاسة النيابة العامة مُمثّلة في المجلس في شخص رئيسها بصفته هو الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، وهي منظمة بمقتضى قانون عادي هو القانون 33.17 في حين أنّ المجلس منظم بمقتضى الدستور والقانون التنظيمي رقم 100.13.
بعد هذا التأسيس النظري الذي لابد منه قبل الدخول في جوهر الإشكال، يمكن التأكيد بأنّه لا الدستور ولا القانون التنظيمي رقم 100.13 جعل الشأن القضائي اختصاصا حصريا للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، لأنّ هناك مؤسسات غير المجلس خول لها الدستور ممارسة أعمال تدخل في الشأن القضائي كما سيتبيّن من خلال ما يلي:
1- تأملات في حدود اختصاصات المجلس الأعلى للسلطة القضائية من خلال الدستور:
لقد حدّد الفصل 113 من الدستور طبيعة العمل القضائي الذي يدخل في اختصاص المجلس الأعلى للسلطة القضائية، حيث جاء فيه: “يسهر المجلس الأعلى للسلطة القضائية على تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة، ولا سيما فيما يخص استقلالهم وتعيينهم وترقيتهم وتقاعدهم وتأديبهم.
يضع المجلس الأعلى للسلطة القضائية، بمبادرة منه، تقارير حول وضعية القضاء ومنظومة العدالة، ويُصدر التوصيات الملائمة بشأنها.
يُصدر المجلس الأعلى للسلطة القضائية، بطلب من الملك أو الحكومة أو البرلمان، آراء مفصلة حول كل مسألة تتعلق بالعدالة مع مراعاة مبدإ فصل السلط”.
لعل هذا الفصل واضح بما يكفي للقول بأنّ اختصاص المجلس الأعلى للسلطة القضائية له امتدادان، كالآتي:
الامتداد الأول: لا يشمل من الشأن القضائي إلا ما تعلق بالقضاة من حيث استقلالهم وتعيينهم وترقيتهم وتقاعدهم وتأديبهم، أو ما يمكن أن يندرج في نفس الإطار، أما ما تعلق بغيرهم ممّن خَوّل لهم القانون أو الواقع ممارسة مهام قد تُوسم بالقضائية، فلا مَجَال للحديث عن خضوعهم لسلطته، ويتوفر المجلس بهذا الخصوص على سلطة واسعة تخوّل له إصدار قرارات بما انتهى إليه؛
الامتداد الثاني: مرتبط بالشأن القضائي بوجه عام، بما في ذلك وضعية القضاء ومنظومة العدالة، ولا يتوفّر المجلس بهذا الخصوص على سلطة تقريرية، حيث إن المشرع الدستوري لم يُخول له سوى وضع التقارير وإصدار التوصيات بمبادرة منه مع إحالتها على المؤسسات المعنية، أو إصدار آراء مفصّلة بطلب من الملك أو الحكومة أو البرلمان، ومن ثمّ، فمهمة المجلس على هذا المستوى من الشأن القضائي، لا تعدو أن تكون استشارية.
يُستخلص مما سبق، أنّ النص الدستوري لم يُخوّل لأعلى مجلس للسلطة القضائية تدبير كل الشأن القضائي، بل فقط الجزء المتعلق منه بقضاة الأحكام وقضاة النيابة العامة، وأعطاه صفة تقريرية في ذلك، ثمّ الجزء المتعلق بوضعية القضاء ومنظومة العدالة، وأعطاه فقط صفة استشارية بهذا الخصوص، وهو ما يجعل توجّه القاضي الدستوري حين قرّر بأن كل الشأن القضائي اختصاص حصري للسلطة القضائية، مُخالفا للثابت من الدستوري ذاته.
2- المؤسسات الدستورية التي تمارس عملا قضائيا من خارج السلطة القضائية:
أغفل قرار المحكمة الدستورية حينما أقرّ بأنّ كل ما يدخل في الشأن القضائي اختصاص صرف للسلطة القضائية، وجود مجال فسيح مما يدخل في هذا الشأن، مع كون لا يخضع لسلطة المجلس الأعلى للسلطة القضائية، كما سأفصّل فيه القول أسفله:
أ‌- من بين المؤسسات الدستورية التي تُعنى بالشأن القضائي ولا يمكن البتة نزع الصفة القضائية عما تقوم به من مهام، المحكمة الدستورية، وقد نظمها الدستور في الفصول من 129 إلى 134، وهي مع ذلك لا سلطة للمجلس الأعلى للسلطة القضائية عليها، وقراراتها لا تقبل “أي طريق من طرق الطعن، وتلزم كل السلطات العامة وجميع الجهات الإدارية والقضائية” ؛ وقد خوّل لها المشرع الدستوري مجموعة من الاختصاصات في الفصول المشار إليها أعلاه، ونصّ في فصله 131 على أن تحديد قواعد تنظيمها وسيرها والإجراءات المتبعة أمامها ووضعية أعضائها وغير ذلك منوط بقانون تنظيمي ؛
ب‌- من بين المؤسسات الدستورية التي تُعنى أيضا بالشأن القضائي، ولا يمكن البتة نزع الصفة القضائية عما تقوم به من مهام، المجلس الأعلى للحسابات، وقد خصّص له الدستور الباب العاشر، من الفصل 147 إلى الفصل 150، وقضاتها لا يخضعون للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، بل إنها من المؤسسات التي تقدم الدعم للهيئات القضائية حسب ما نص عليه الفصل 148، وهو وإن كانت مهمته الأساسية رقابية، إلا أنه يصدر تقارير كما يصدر قرارات قضائية حسب ذات الفصل؛ ولا ينحصر الأمر على هذا المستوى، بل إن المشرّع الدستوري قد خصّص الفصلين 149 و150 للمجالس الجهوية للحسابات، التي تمارس هي الأخرى مهاما تدخل ضمن الشأن القضائية، وإن كانت ذات طبيعة خاصة.
بناء على ما سبق، فالقول بأن الشأن القضائي اختصاص صرف للسلطة القضائية، يُخالف الثابت مما هو منصوص عليه في الدستور، ومما جرى به العمل إن على مستوى المحكمة الدستورية أو على مستوى المجلس الأعلى للحسابات والمجالس الجهوية للحسابات؛ وهذا يُغنينا عن الأمثلة الكثيرة للمؤسسات المنظمة بمقتضى القانون والتي تباشر مهاما ذات طبيعة قضائية، كما هو شأن اللجان الإقليمية للبحث والمصالحة التي تُحدث لدى كل عمالة أو إقليم والتي خوّل لها المشرع في المادة 561 من مدونة الشغل مجموعة من الصلاحيات يمكن اعتبارها ذات طبيعية قضائية كإصدار الأوامر بإجراء الأبحاث والتحريات لدى المقاولات والأجراء العاملين بها وطلب كل المستندات والمعلومات والاستعانة بالخبراء؛ كما يدخل في هذا المقام أيضا اللجنة الوطنية للبحث والمصالحة التي تُحدث لدى السلطة الحكومية المكلفة بالشغل ويترأسها الوزير المكلف بالشغل أو من ينوب عنه، وقد خول لها المشرع نفس الصلاحيات؛ ويمكن إضافة المؤسسات التي تمارس التحكيم، فكل هذه المؤسسات وغيرها مما لا داعي للتفصيل فيه، لا تخضع للسلطة القضائية رغم أن ما تقوم به أو على الأقل بعض منه، إما أنّه ذو طبيعة قضائية أو أنّه جزء لا يتجزأ من الشأن القضائي.
3- حدود اختصاصات المجلس الأعلى للسلطة القضائية من خلال القانون التنظيمي رقم 100.13:
لم تخرج المادة 65 من القانون التنظيمي رقم 100.13 عن مضمون الفصل 113 من الدستور، حيث جاء في فقرتها الأولى: “طبقا لأحكام الدستور، يسهر المجلس على تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة، من أجل ذلك يقوم بتدبير وضعيتهم المهنية وفق مبادئ تكافؤ الفرص والاستحقاق والكفاءة والشفافية […]”؛ وهو بيان لطبيعة المهمة الجوهرية للمجلس التي تؤسس للاستقلالية الواقعية ولا تجعلها تمتد لتشمل كلّ العمل القضائي، بلهَ أن تمتد لتشمل الشأن القضائي جملة وتفصيلا كما ذهب إلى ذلك قرار المحكمة الدستورية أعلاه؛ ولمزيد بيان، لابدّ من الرجوع إلى مقتضيات المادة الثانية من القانون التنظيمي رقم 100.13 في فقرتها الثانية حيث جاء فيها: “تُمارَسُ السلطة القضائية من قِبل القضاة الذين يُزاولون فعليا مهامهم القضائية بالمحاكم التي يشملها التنظيم القضائي للمملكة”، فهذه مادة مِفصلية في الموضوع، يُستخلص منها ما يلي:
أ‌- لا يكون مُمَارسا للسلطة القضائية إلا القضاة، وفقط حينما يُزاولون مهامهم القضائية، أما أثناء ممارسة مهام غير قضائية كما هو الشأن بخصوص المهام الإدارية أو التسيير الإداري، فهم ليسوا مُزاولين للسلطة القضائية؛
ب‌- لا يكون القاضي مُمارسا للسلطة القضائية، إلا إذا بَاشر مَهامّه القضائية بالمحاكم التي يشملها التنظيم القضائي، أما إن مارس مهامه خارج هذه المحاكم فلا يُعتبر ممارسا للسلطة القضائية، وإن كانت تلك المهام مهامّا قضائية؛
ت‌- من مَارَس مهامّا قضائية داخل المحاكم التي يشملها التنظيم القضائي ولم تكن له صفة “قاض”، لَمْ يكن مُمارسا للسلطة القضائية.
تنسجم هذه الخلاصات مع المنطق الدستوري، وتؤكد بأن الشأن القضائي من حيث المقاربة الدستورية لا يندرج كلّه تحت السلطة القضائية، وأنّ ما يندرج تحتها منه، ما هو إلا جزءٌ من كل، عِلما أنّ النماذج التي قُدّمت في الفقرة السابقة، ما هي إلا أمثلة لم تَرِد على وجه الحصر، إذ هناك غيرها من المؤسسات التي تباشر عملا موسوما بأنه قضائيّ لكنها غير خاضعة للسلطة القضائية، بل تُحافظ على تبعيتها للسلطة التي تنتمي عضويا إليها، ويمكن الإشارة في هذا المقام إلى “المكتب المركزي للأبحاث القضائية” الذي أُحدث سنة 2015 والتابع إلى المديرية العامة للأمن الوطني، أي إلى السلطة التنفيذية وليس إلى السلطة القضائية.
وخلاصة القول في هذا المقام، أنّ الجَزم بكون الشأن القضائي اختصاص حصري للسلطة القضائية حسب ما ذهب إلى قرار المحكمة الدستورية، مُقتضى يُخالف الثابت من القانون والممارسة كما سلف بيانه أعلاه، ويترتّب عن ذلك أنّ ممارسة عمل ذي طبيعة قضائية لا يقتضى بالضرورة التبعية إلى السلطة القضائية.
ثالثا: تأملات في توجّه المحكمة الدستورية بخصوص التفتيش الإداري والمالي
ذهب قرار المحكمة الدستورية فيما يتعلق بمضامين المواد من 102 إلى 109 من القانون رقم 38.15 المتعلق بالتنظيم القضائي، بأنّها لا تُخالف الدستور، إلا أنه قيّد مجال عملها بالشكل الذي قد يدفع إلى القول بأنّ جُزءا مُهمّا من مَجال عمل هيئة كتابة الضبط أصبح خارجا عن اختصاص المفتشية العامة لوزارة العدل، وتمّ إسناده تبعا لذلك للمفتشية العامة للشؤون القضائية؛ يتعلّق الأمر هنا بالمهام التي ترتبط ارتباطا وثيقا بالعمل القضائي، والتي قد تُوصف بكونها ذات طبيعة قضائية؛ وهذه جملة من الملاحظات الأساسية في الموضوع:
1- التفتيش الإداري والمالي بين مجال التنظيم ومجال القانون:
لقد تبيّن مما ذكر أعلاه، بأن ممارسة أعمال ذات طبيعة قضائية لا يلزم منه بالضرورة خضوع مَن أُسنِدت إليهم تلك الأعمال إلى السلطة القضائية، كما تبيّن بأنّ أيّة تبعيّة إلى السلطة القضائية لجهاز ينتمي انتماءً عُضويا إلى السلطة التنفيذية، مُجازفة تُخالف الثّابت في أسمى نص قانوني ألا وهو الدستور، لأن الاستثناء من القاعدة الدستورية يجب أن يكون بناء على قاعدة دستورية مثلها؛ وهو ما يترتّب عنه بالضرورة أنّ إسناد تفتيش موظفي كتابة الضبط بما فيهم مَن يُزَاول مهامه بكتابة النيابة العامة لغير المفتشية العامة لوزارة العدل بدعوى الطبيعة القضائية لبعض مهامهم، فيه توسيع لاختصاصات المجلس الأعلى للسلطة القضائية بشكل عام والمفتشية العامة للشؤون القضائية بشكل خاص، دون أيّ سند من الدستور، وهو ما يجب أن يأخذه المشرّع بعين الاعتبار، وألا يُحمّل حيثيات قرار المحكمة الدستورية ما لا تحتمل، ولمزيد من البيان بهذا الخصوص أتقدم بما يلي:
أ‌- لقد حصر الفصل 113 من الدستور الصلاحيات التقريرية للمجلس الأعلى للسلطة القضائية فيما له علاقة بالقضاة دون غيرهم مِمّن يُمكن أن تكون لِمَهامّهم طبيعة قضائية، كما أن الفصل 116 من الدستور حَصَر في فقرته الثالثة مهامّ القضاة التابعين للمفتشية العامة للشؤون القضائية في المادة التأديبية دون غيرها، ومن نافل القول التذكير بأنّ المقصود بالتأديب الموارد البشرية من القضاة الخاضعين لسلطة المجلس انسجاما مع النص الدستوري، وهو ما يترتّب عنه بأنّ تفتيش موظفي هيئة كتابة الضبط، أيّا كانت طبيعة المهام المنوطة بهم، لا تدخل ضمن اختصاص المفتشية العامة للشؤون القضائية؛
ب‌- لقد سلّم القاضي الدستوري بأنّه “إلى جانب الأعمال الإدارية والمالية للإدارة القضائية فإنها تتميز عن باقي الإدارات العمومية، في أدائها لعمل موسوم بالطبيعة القضائية”، وسلّم أيضا بأنّ الطبيعة القضائية للمهام المنوطة بالإدارة القضائية “يضفي خصوصية على نشاط مرفق العدالة”، ثم أكد بعد ذلك صفة “مساعدي القضاء على هيئة كتابة الضبط التي تشكل المورد البشري للإدارة القضائية”؛ وبناء عليه، فمن الطبيعي أن تجد هذه الخصوصية المرتبطة بالمهام المنوطة بجهاز كتابة الضبط بالمحاكم، صدى لها على مستوى الإطار القانوني المنظم لتفتيشها، ومن ثمّ، فالقول بأنّ تنظيم تفتيش هذه الأعمال بمقتضى قانون “سيجعل التفتيش الإداري والمالي التابع للوزارة المكلفة بالعدل الوحيد المنظم بقانون”، لا يجب أن يطرح أيّ إشكال، لأنّ المقارنة بين المفتشية العامة لوزارة العدل وباقي المفتشيات العامة التابعة لباقي الوزارات، تُفضي بالضرورة إلى قيام مُبرّرٍ واقعي للتمييز بينها، وبما أنّ مبرّر التمييز يرتكز على خصوصية المهام التي سلّم القاضي الدستوري بأنها ذات طبيعة قضائية، فيَلزم من ذلك أنّها تنتمي انتماء عضويا للتنظيم القضائي، على اعتبار أنها مرتبطة بالمحاكم التي يشملها التنظيم القضائي؛
ت‌- لقد أسس القاضي الدستوري توجّهه في الجزم بدستورية تنظيم المفتشية العامة للشؤون القضائية بمقتضى قانون، على مقتضيات في غاية الأهمية، أجمَلَها في حيثيتان اثنتان، خصّص الأولى لتحديد المجال القانوني الأقرب لتأطير عملها من حيث البنية ومن حيث المهام، وهو مجال التنظيم القضائي، وقال بهذا الخصوص: “وحيث إن الميدان المطابق من ميادين القانون كما هي محددة في الفصل 71 من الدستور، لتنظيم المفتشية العامة للشؤون القضائية هي تلك المتعلقة بالتنظيم القضائي” ؛ وخصّص الثانية لبيان التفاصيل الدقيقة التي يؤطرها التنظيم القضائي والتي تُعتبر في ذات الوقت هي مجال اشتغال المفتشية العامة للشؤون القضائية، حيث قال: “وحيث إن التنظيم القضائي يشمل مواضيع المحاكم، أصنافها واختصاصاتها، تأليفها وتنظيمها، وهيئات الحكم وتركيبتها، والتفتيش القضائي […]، وما يتعلق بتفتيش القضاة ومخاصمتهم، والقواعد التي تعمل أحكاما دستورية، ولاسيما منها ما يتعلق بحقوق المتقاضين وضمانات المحاكمة العادلة” ؛
ث‌- إنّ الاستدلال أعلاه، ونظرا لما اتّسم به من إحكام، لا يُمكن إلا أنْ يَتمّ التّسليم من خلاله بدستورية تنظيم المفتشية العامة للشؤون القضائية بمقتضى قانون؛ وحيث إنّ إمعان النظر في مَجال اشتغال المفتشية العامة لوزارة العدل، يؤكّد مُعطى في غاية الأهمية، مَفاده أنّ الجُزء الأكبر منه ينطبق عليه ما ينطبق على نظيرتها التابعة للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، حيث إنّ المجال القانوني الأقرب إلى تأطيره هو المنصوص عليه في الفصل 71 من الدستور، وأخصّ بالذكر كما سلف “التنظيم القضائي”؛ وحيث إن تلك الاختصاصات التي تم اعتمادها، تُقابلها اختصاصات مُماثلة تدخل في مجال اشتغال موظفي هيئة كتابة الضبط بالمحاكم والخاضعين لمراقبة وتفتيش المفتشية العامة لوزارة العدل، فهم أيضا لهم مهام مخصوصة تتنوع وتتعدد بحسب أصناف المحاكم واختصاصاتها، وهم جزء لا يتجزّأ من تأليف المحاكم كما هو منصوص عليه في جميع المواد المؤطرة لهذا الأمر، وهم ركن أساسي من أركان هيئة الحكم التي لا تكتمل إلا بهم وتحت طائلة البطلان، هذا فضلا عن كون القواعد التي تُعمل الأحكام الدستورية تعنِيهم بشكل كبير، كما هو الشأن بالنسبة لحقوق المتقاضين التي أدرج فيها المشرّع مقتضيات جديدة في المادة 40 المُدرجة ضمن مواد الفصل المتعلق بتجريح القضاة ومُخاصمتهم، حيث ألزَم موظفي هيئة كتابة الضبط بعدم مباشرة أيّ عمل يدخل ضمن وظيفتهم في الدعاوى الخاصة بهم أو بأزواجهم أو أصهارهم أو أقاربهم إلى درجة العمومة أو الخؤولة أو أبناء الإخوة، هذا مع التأكيد على الدور الهام الذي يمكن أن يضطلع به هؤلاء على مستوى ترسيخ ضمانات المحاكمة العادلة؛ فإذا تطابقت مكونات الاستدلال بين المؤسستين، فيلزم منه تطابق النتيجة المؤسسة عليه، ألا وهي القول بدستورية تنظيم المفتشية العامة لوزارة العدل بمقتضى قانون شأن نظيرتها التابعة للمجلس الأعلى للسلطة القضائية.
وخلاصة القول في هذا المقام؛ أن ما ينطبق على المفتشية العامة للشؤون القضائية ينطبق أيضا على الشق الأكبر من مجال اشتغال نظيرتها التابعة لوزارة العدل، ومن ثمّ، فالتمييز بينهما على مستوى طبيعة النص المؤطر لكل واحدة على حدة، وجعل مجال الأولى هو القانون، ومجال الثانية هو التنظيم، مُخالف للثابت قانونا في حدود ما تمّ تناوله أعلاه، ولو أنّ القاضي الدستوري اعتمد على الطبيعة المركبة لمجال اشتغال المفتشية العامة لوزارة العدل، عِوَض الارتكاز على غياب مبرّر التمييز بينها وبين نظيراتها في باقي القطاعات لكان أولى، لأنّ خصوصية المهام ومبرّرات التمييز قائمة ومسلّم بها من قِبل القاضي الدستوري في أكثر من مناسبة كما سلف.
2- المفتشية العامة لوزارة العدل وخصوصية مهام هيئة كتابة الضبط:
إنّ تأكيد قرار المحكمة الدستورية على الاختصاص الحصري للمفتشية العامة لوزارة العدل فيما هو إداري ومالي، لا يعني بالضرورة أنّ المهام التي يباشرها موظفو هيئة كتابة الضبط، والتي قد تُوصف بأنّها من طبيعة قضائية، خارجة عن اختصاصها، وذلك لعدّة اعتبارات، أُجملها فيما يلي:
أ‌- إنّه وإلى حدود كتابة هذه السطور، لا وجود لأيّ نص يُفصل في الطبيعة القانونية للمهام المنوطة بهيئة كتابة الضبط داخل المحاكم، كما أنّه لا وجود لأيّ معيار علمي أو قانوني مُعتمد، يُمَكّننا من تمييز ما كانت له طبيعة قضائية صِرفة من بين تلك المهام، مما له طبيعة إدارية صرفة؛ وبناء عليه، لا يمكن ترك ما هو قطعي ومحقّق، للتّمسّك بما هو ظني وقابل للأخذ والرد، وعلى هذا الأساس، فالأصل أن تُحافظ كل المهام المنوطة بهيئة كتابة الضبط على طبيعتها الإدارية أو المالية، بما فيها تلك التي يُمكن اعتبارها ذات طبيعة قضائية، استصحابا للأصل الذي هو تبعيّة هؤلاء للسلطة التنفيذية، إلى أن يثبت غير ذلك بنص قانوني يفصل في الطبيعة القانونية لكل مهمة على حدة، أو يضع معيارا عاما لذلك؛
ب‌- تناول القاضي الدستوري الاختصاص الحصري للمفتشية العامة لوزارة العدل في مَواطن عدّة، لابد أن تُتناول بالشكل الذي يُحقّق التكامل بينها، تفعيلا للقاعدة الفقهية: “إِعمَال الدّلِيلَين أولى من ترك أحدهما”، كي لا يعتُبر ذلك اضطرابا بين أجزاء النص الواحد؛ ومن الأمثلة التي يمكن أن يقع نوع من الالتباس في تنزيلها قوله: “وحيث إن اختصاص التفتيش المخوّل للمفتشية العامة للوزارة المكلفة بالعدل، يجب أن يبقى، مراعاة لاستقلالية السلطة القضائية، محصورا في الجوانب الإدارية والمالية للإدارة القضائية، ولا يمتد إلى عملها القضائي الموكول للمفتشية العامة للشؤون القضائية” ؛ فهذا المُقتضى لابد من قراءته على ضوء القواعد الدستورية التي حدّدت مجال تدخّل المجلس الأعلى للسلطة القضائية، الذي يبقى من أولوياته ضمان استقلالية القاضي أثناء مباشرته لمهامه القضائية، ومن ثمّ، فتنْبِيه القاضي الدستوري بأنّ عمل المفتشية العامة لوزارة العدل لا يجب أن يمتدّ إلى العمل القضائي الموكول للمفتشية العامة للشؤون القضائية، هو من باب تحصيل حاصل، لأنّ ما أوكله المشرع إليها من الأعمال ذات الطبيعة القضائية، هو ما كان منوطا بالقضاة، فهؤلاء قد رسخّت القاعدة الدستورية استقلاليتهم، وأيّدتها في ذلك القواعد المنصوص عليها في القانون التنظيمي رقم 100.13؛
ت‌- أكّد القاضي الدستوري توجّهه سالف الذكر، وبشكل أكثر وضوحا في قوله: “وحيث إن التفتيش الإداري والمالي للمفتشية العامة للوزارة المكلفة بالعدل، يتمّ إلى جانب التفتيش المناط بالمسؤولين القضائيين، […] وأنّ هذا التفتيش لا يهمّ القضاة ولا يعني عملهم القضائي ولا النشاط القضائي للإدارة القضائية” ، وهو ما يعني أنّ كلّ عمل أو نشاط خرج عن هذه الحدود، فهو مجال صرف لاشتغال المفتشية العامة لوزارة العدل، فإذا كان المدخل الأساسي لضمان استقلالية السلطة القضائية هو إبعاد عمل القضاة بما فيه الشق القضائي من الإدارة القضائية عن أيّة سلطة غير السلطة القضائية، فإنّ ترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة، باعتبارها مبادئ دستورية، يقتضي بالضرورة إسناد تفتيش ما هو منوط بعمل غير القضاة، إلى السلطة التي يتبعون لها، مَهْمَا كان الوصف الذي أُضفِيَ عليها، وفي ذلك ضمان لترسيخ مبدأ فصل السلط، كما هو منصوص عليه في الفصل الأول من الدستور؛
ث‌- بالرجوع إلى الواقع العملي الذي سبق تنصيبَ المجلس الأعلى للسلطة القضائية، يتّضح بأنّ الزيارات التفقدية التي كانت المحاكم موضوعا لها من طرف المفتشية العامة لوزارة العدل، كانت تباشرها وفود تضمّ قضاة يتوفرون على صفة مفتشين، ولهم من الخبرة والكفاءة ما يمكنهم من تفتيش العمل القضائي بالمحاكم، وإلى جانبهم موظفون ممن اكتسبوا خبرة وتمرّسا بمهام كتابة الضبط وإن لم تكن لهم صفة “مفتشين”، وهذه التركيبة الثنائية لتلك الوفود كان لها ما يبرّرها، لأنّ خصوصية المهام المنوطة بكل فئة مهنية على حدة، تقتضي أن يقوم بالتفتيش من خبر تلك المهام وتمرّس فيها، واكتسب من المهارات والكفاءات ما يجعله أهلا لأن يُدرك دقائق الأمور المتعلقة بمجال اشتغاله، وهو ما يجب أن يعرف تطورا أكبر على مستوى تنزيل مضامين مشاريع إصلاح منظومة العدالة، عبر اعتماد التخصص في إسناد جميع المهام، وعلى رأسها موضوع التفتيش الذي من شأنه أن يكون قاطرة لتخليق الأجهزة التي تكون موضوعا له، أيّا كانت السلطة التي تخضع لها تلك الأجهزة، وهو ما لا يمكن إدراكه إلا بتمكين كل سلطة بتفتيش عمل الموارد البشرية التابعة لسلطتها ومراقبتها، أنى كانت طبيعة ذلك العمل.
وخلاصة القول في هذا المقام؛ أنّ خصوصية المهام المنوطة بموظفي هيئة كتابة الضبط، تستوجب خصوصية الإطار القانوني المنظم لها، ولا تقتضي إخضاع الجهاز إلى سلطتين اثنتين أو تبعيته لغير السلطة التي ينتمي إليها انتماء عضويا، لأنّ هذا يُخالف مقتضى معلوما من الدستور بالضرورة، ويمسّ بأحد المبادئ الأساسية التي يقوم عليها النظام الدستوري للمملكة، ألا وهو مبدأ فصل السلط.

المحور الثالث:
تأملات في المقتضيات التي شابها شيء من الاضطراب على مستوى التقعيد
تعتبر عملية التقعيد من أعقد ما يُمكن أن يُعتمد في بناءِ أيّ قرار كيف ما كان موضوعه، وغير خافٍ على الخبراء ما تتطلبه هذه العملية من صبر وأناة على مستوى استقراء النصوص والوقائع حتى يتسنى وضع قاعدة مُستوعبة لكل مُفرداتها ولا تخرج منها شاردة ولا واردة إلا وفق ضوابط محدّدة تصلح أن تكون إطارا للاستثناء من القاعدة؛ ولئن كان قرار المحكمة الدستورية رقم 89.19 قد أَحْكَم صياغة مجموعة من القواعد، فإنّ بعضها قد اعتراه من الاضطراب ما جعلها لا تُحقق إحدى أهم الغايات المرجوة منها، ألا وهي إحكام البناء الاستدلالي المؤسّس لاختيارات القاضي الدستوري في سياق تقريره بموافقة مُقتضى ما للدستور أو مُخالفة غيره له؛ وهو ما سأحاول مقاربته فيما يلي:
أولا: تأملات حول الأثر الدستوري المترتب عن ممارسة عمل ذي طبيعة قضائية أو إدارية
يكتسي التقعيد على هذا المستوى قدرا كبيرا من الخطورة، نظرا للانعكاسات التي يمكن أن تترتب في الواقع العملي جرّاء تنزيل القواعد المعتمدة، وسأحاول هنا تسليط الضوء على توجه المحكمة الدستورية بخصوص ممارسة كلّ من الأعمال ذات الطبيعة القضائية أو الإدارية، والتي شاب عمليّة التقعيد المتعلقة بها شيء من الاضطراب، منع استقرار القاعدة المُعتمدة في مواطن عدّة.
1- ذهب قرار المحكمة الدستورية، إلى أنّ ممارسة الكاتب العام لمهام ذات طبيعة قضائية مع أنه موضوع تحت سلطة ومراقبة السلطة التنفيذية وليس السلطة القضائية، يُشكّل مسّا باستقلال السلطة القضائية وانتهاكا لمبدإ فصل السلط ؛ فلو كان المقصود هنا المهام ذات الطبيعة القضائية التي تدخل في اختصاص السلطة القضائية، لكانت القاعدة مُحْكمة، أما وأنّها تشمل كل عمل يمكن أن يوصف بكونه ذا طبيعة قضائية، بما في ذلك ما كان منوطا بموظفي هيئة كتابة الضبط، فإنّ القاعدة لا تستقيم، من جهة أولى لأنّ المعيار الدستوري في تحديد التبعية للسلطة القضائية لا يتأسّس على شرط الطبيعة القضائية للمهام، بقدر ما يتأسّس على الانتماء العضوي للجهاز القضائي حسب المنصوص عليه في الفصل 113 من الدستور، وهو المقتضى الذي رسّخه المشرع في المادة الثانية من القانون التنظيمي رقم 100.13 مع إضافة تدقيق في غاية الإحكام، هو ممارسة القاضي فعليا للمهام القضائية بالمحاكم التي يشملها التنظيم القضائي؛
2- يتجلى اضطراب تلك القاعدة بشكل أكثر وضوحا، في عدم استقرارها داخل قرار المحكمة الدستورية على كل الحالات المماثلة، فإذا كان القرار قد رأى في ممارسة الكاتب العام لمهام ذات طبيعة قضائية انتهاكا لمبدأ فصل السلط، فإنّه لم يقل بتحقّق هذا الانتهاك عند ممارسة غيره من الموظفين المنتمين لهيئة كتابة الضبط لمهام من ذات الطبيعة؛ وهو ما جعله يقرّر في الحالة الأولى ضرورة سحب صلاحية ممارسة تلك المهام من طرف الكاتب العام، ويقول في الحالة الثانية بضرورة تبعيّة جُزء من هيئة كتابة الضبط إلى سلطة المسؤولين القضائيين، الشيء الذي يُخالف بشكل صريح مبدأ فصل السلط المُقرّر في الفصل الأول من الدستور؛
3- من التطبيقات التي أفضت إلى اضطراب القاعدة أعلاه، ذهاب قرار المحكمة الدستورية في إحدى حيثياته إلى سحب إشراف الكاتب العام على موظفي كتابة النيابة العامة نظرا لخصوصية المهام المنوطة بهم، مع العِلم أنّ الطبيعة القضائية لهذه المهام غير محسومة ولا محدّدة بأي نص قانوني، فضلا عن كون الكثير من التجارب المقارنة تعتبر عمل النيابة العامة بأسرها عملا إداريا وليس عملا قضائيا، بل إن بعض التجارب لا تُسند مهام النيابة العامة إلى القضاة بل إلى موظفين؛ وبالمقابل لم يعتبر القرار أنّ إشراف المسؤولين القضائيين على الكاتب العام للمحكمة، فيه انتهاك لفصل السلط وجب سحبه من اختصاصهم؛ فإن قيل بأن هذا الأخير يستمد مشروعيته من الطبيعة المزدوجة لمهام المسؤولين القضائيين والتي تجمع بين ما هو قضائي وما هو إداري، كان الجواب هو أنّ هذا المُقتضى، يلزم منه الاحتفاظ بإشراف الكاتب العام على كل موظفي هيئة كتابة الضبط التابعين لجميع مصالح المحكمة، لأنّ إقرار القانون رقم 38.15 بإشراف المسؤولين القضائيين على الكاتب العام، يترتّب عنه تلقائيا إشرافهم على من يُباشر مهامه تحت إشراف الكاتب العام؛ بل إن هناك مقتضى آخر لم يتم الالتفات إليه رغم ارتباطه بشكل مباشر بالقواعد الدستورية، ويتعلّق بالقاعدة التي أقرها القاضي الدستوري المستخلصة من الفقرة الثانية من الفصل 89 من الدستور، والتي تجعل الإدارة رهن تصرف الحكومة، إذ إنّ استقرار هذه القاعدة والتي قبلها، يقتضي تبعية المسؤولين القضائيين بالمحاكم إلى السلطة التنفيذية في الشقّ غير القضائي من المهام المنوطة بهم؛ لأنّ تبعيّتهم في ذلك إلى السلطة القضائية انتهاك لمبدإ فصل السلط.
ثانيا: تأملات حول الأثر الدستوري المترتب عن اختصاص مكتب المحكمة في علاقته بأعضائه
ذهب قرار المحكمة الدستورية في هذا الخصوص إلى القول بأن تمكين الكاتب العام للمحكمة من الصفة التقريرية في شق من المهام الموكولة لمكتب المحكمة مُخالف للدستور، وقد كانت عبارته صريحة ودقيقة، حيث جاء فيها: “تخويل صلاحيات تقريرية للكاتب العام، الموضوع تحت سلطة ومراقبة الوزير المكلف بالعدل، في أشغال مكتب المحكمة ذات الطبيعة القضائية، يُعدّ مُخالفا لمبدإ فصل السلط ولاستقلال السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية المقررين في الفصلين الأول و107 من الدستور” .
إنّ هذا المُقتضى لا اعتراض عليه فيما يتعلّق بالمهام التي تدخل في اختصاص المجلس الأعلى للسلطة القضائية مما تمّ التفصيل فيه في القرار، خاصّة أنّ الصيغة الواردة في منطوقه لا تنزع الصفة التقريرية للكاتب فيما يتعلق بتدبير الموارد البشرية لهيئة كتابة الضبط بالمحكمة؛ إلا أنّ ما يُحدِث نوعا من الاضطراب على هذه القاعدة، هي أنّها أهملت الشق المقابل للعملية، لأنّ مكتب المحكمة، وإن كانت المواد 27 و28 و93 من القانون رقم 38.15 المتعلق بالتنظيم القضائي قد اكتفت بتناول تركيبته على التوالي بمحاكم أول درجة ومحاكم ثاني درجة ومحكمة النقض، فإنّ الفقرة الأخيرة من المادة 29 قد جعلت موضوعه ينحصر في إعداد مشروع برنامج عمل المحكمة للسنة القضائية الموالية، ولم يتم تناول المحاور الأساسية لهذا المشروع إلا في المادة 34 المتعلقة أساسا بالجمعية العامة للمحكمة، والتي حدّدت مجموعة من الأمور ذات الطبيعة القضائية الصرفة التي لا يجب أن يتمتّع الكاتب العام بالصفة التقريرية بخصوصها، لكنّها حدّدت أيضا أمورا أخرى إدارية صرفة، هي من صميم اختصاص السلطة التنفيذية، ولا يجب أن يتمتّع باقي الأعضاء غير الكاتب العام بالصفة التقريرية بخصوصها، من ذلك على سبيل المثال، الحاجيات من الموارد البشرية المتعلقة بموظفي هيئة كتابة الضبط، والحاجيات التكوينية لهؤلاء، وغير ذلك مما يجب أن يتمّ تداوله في مكتب المحكمة والجمعية العامة للمحكمة من باب الاسترشاد بالآراء وليس من باب التقرير بشأنه.
هذه جملة من المقتضيات التي شابت عملية التقعيد المتعلقة بها شيء من الاضراب، جعلها لا تستقر في تأطير بعض الحالات التي تجمع بينها العِلل ولا تحظى بنفس النتيجة.

خاتمة:
جدير بالذكر قبل إسدال الستار عمّا تم الوقوف عنده من تأملات، أن المراحل المفصلية في تاريخ التشريعات بشكل عام، لا يمكن إلا أن تعرف نقاشات ضَافِية، يُدافع فيها كل صاحب رأي عن وجهة نظره، ويُسندها بكل ما تَأتَّى له من حجج، سواء كان مصدرها القواعد الكلية المتوافق حولها بشكل من الأشكال أو المستخلصة من النصوص التشريعية، أو كانت مُستمدة من المنطق العقلي بكل صرامته ودقته، أو مُستنبطة من معطيات الواقع وتعقيداته؛ لكنّ الأهم من كل ذلك، أن تُفرز المرحلة التشريعية نصوصا ذات جودة عالية، تُجيب عن الأسئلة الحقيقية المرتبطة بالمعيش اليومي للمجتمع الذي جاءت لتأطير جانب من حياته، وتستجيب لتطلعات المعنيين بها، بشكل يُسهم في التفاعل الإيجابي الباعث على تطوير الأداء بشكل عام، عوِض اللجوء إلى نوع من الممانعة التي قد تُقلّص بشكل أو بآخر من فعالية النصوص التشريعية.
لقد استمرّ النقاش سنوات ليست بالهينة، ليَتِمّ الانتقال من مسودة مشروع للتنظيم القضائي، إلى القانون رقم 38.15 المتعلق بالتنظيم القضائي، لكنّ السؤال الذي قد يصعب الجواب عنه بهذا الخصوص هو: هل الصيغة النهائية لهذا القانون على ضوء قرار المحكمة الدستورية موضوع هذه التأملات، سَتتّسِم بالوفاء لمخرجات الحوار الوطني لإصلاح منظومة العدالة ؟
وقبل ذلك، فيما يتعلق بالنقاشات التي كان مشروع هذا القانون والقانون ذاته، موضوعا لها طيلة سنوات، هل كانت هذه النقاشات في إطار البحث عن الصّيغ المُثلى لتنزيل توصيات ميثاق إصلاح منظومة العدلة المرتبطة بالتنظيم القضائي أم أنّ الأمر تعلّق بإعادة نشر لكل جوانبها بغضّ النظر عن تلك المُخرجات ؟
أو بتعبير آخر أكثر وضوحا: هل تم التعامل مع توصيات ميثاق إصلاح منظومة العدالة من باب الإلزام أم من باب الاستئناس ليس إلا ؟
أترك الجواب للقارئ الكريم، وأكتفي هنا بالقول بأنّ مجموعة من المقتضيات التي اعتبرها قرار المحكمة الدستورية مخالفة للدستور، كانت ضمن توصيات الميثاق، وعلى رأسها توحيد هيئة كتابة الضبط، ومن طرائف هذه المقارنة، أنّ التوصية 180 من الميثاق المتعلقة بتحديث الإطار القانوني لهيئة كتابة الضبط، قد نصّت في إجراءاتها التنفيذية على ضرورة توحيد كتابة الضبط بين الرئاسة والنيابة العامة، ونصّت بالخصوص على خضوع الميدان الزجري لهذا التوحيد؛ فإذا بهذا التخصيص هو بالذات ما اعتبره قرار المحكمة الدستورية مُخالفا للدستور، لأنّه لا يراعي خصوصية عمل كتابة النيابة العامة، وقد بسطتُ فيه القول في المحور الأول من هذه الدراسة، مُثبتا ما يشوبه من عيب في التعليل ومُخالفة لما هو ثابت في النص الدستوري، هذا مع العلم أنّ هناك مقتضيات أخرى وردت في توصيات الميثاق ذهب القرار إلى القول بعدم دستوريتها، وكان تعليله مُحكما فيما ذهب إليه، كما هو الأمر بتخويل بعض الاختصاصات القضائية الخالصة للمجلس بمقتضى الدستور إلى غيره.
هذه إذن، جملة من التأملات، حاولت من خلالها أن أخوض في تفاصيل توجّه القاضي الدستوري بمناسبة عرضه لمواد القانون رقم 38.15 المتعلق بالتنظيم القضائي على النص الدستوري وكذا القانونين التنظيميين المتعلقين بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية والنظام الأساسي للقضاة، إسهاما مني في النقاش العام الذي تناول ذات القرار من زوايا عدة، لأخلص في النهاية، إلى أن المرحلة بالفعل، تحتاج نصا في مستوى عالي من الإحكام، إن على مستوى الصياغة أو على مستوى الترتيب المنهجي أو على مستوى المضامين؛ وهو ما يُحتّم على جميع المعنيين به، تغليب المقاربات الموضوعية، المؤسسة على قراءات متأنية للنص الدستوري وغيره من النصوص ذات الصلة بالموضوع؛ على الأقل لضمان فعّالية أكبر لهذا القانون، مُهيأة ذاتيا من حيث بناؤها ومقتضياتها لتُعمّر طويلا خدمة للقضاء والعدالة.
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.