البيجيدي : “ماستر شاف الأحزاب” صاحب أُكلة “السياسة المحشوة بالدين”

0

محمد الشمسي

سيذكر التاريخ لحزب العدالة والتنمية أنه حزب من أمهر “الطباخين السياسيين ” ، فقد استطاع أن يقدم للشعب طبَقا من “السياسة المشوية فوق جمر الدين ” ، الملفوفة في ورق برنامج حزبي ، مسلمة للمستهلك ليلا على ضوء ” قنديل ” مع هالة من العفة والتعفف ، لكن في ساعة الجد ” بهت الذي كفر” .

يبقى “حزب العدالة والتنمية ” مدينا للدكتور الخطيب ، ذلك الطبيب الجراح الذي زرع في الحزب روحا ، حين وجده” يتيما” فآوى ، ووجده عائلا فأغنى ، ووجد أهله في شتاتهم ، بعضهم “روشيرشي” ، والبعض الآخر أعيتهم برودة الزنازين ، والبعض الآخر تاه بين المسالك والدروب تتجاذبه التيارات ، في حركة فقدت التوحيد وباتت تحتاج إلى صلاح وإصلاح ، جل أعضائها عاطلون سياسيا ، كان الدكتور الخطيب قد أسس حزب الحركة الشعبية الى جانب وزير الدفاع وعامل صاحب الجلالة آنئذ المحجوبي أحرضان ،ثم ترأس الخطيب البرلمان ، وعندما أقر الحسن الثاني حالة الاستثناء ، عارض الخطيب قرار الملك ، فكان لزاما على الدكتور أن “يترك جانبا” ، فلا مكان لمن يعارض الملك ، وزهد الخطيب في السياسة وغادر منبرها ، وهو السياسي الذي كان ينتج النضال ويصدره إلى باقي الأمصار.
وحتى لا يلتهمه “وحش النسيان ” أنشأ الخطيب حركته “الشعبية الدستورية الديمقراطية ” ، لكن دون أن يشركها في سباق انتخابات السلطة الذي تخوضه خيول مسعورة ، محقونة بحقن محظورة و عقاقير كيماوية ممنوعة ، تدوس من لا يملك تفويضا من الرباط ، و”الناجح ناجح ولو كره الناخبون” .
لذلك لا غرابة في أن ينجح الزواج بين حركة الدكتور الخطيب “الخاوية على عروشها” من جهة ، وبين حركة التوحيد والإصلاح التي ليس لها “وكر سياسي” تأوي إليه من جهة ثانية ، اتفق الشريكان على تحمل أعباء مهر “زواج المتعة او زواج المنفعة ” مناصفة بينهما ، فالدكتور الخطيب يساهم ب”الحانوت” أو ب”المستودع السياسي” ، أو “لوكال” ، في حين تساهم حركة التوحيد والإصلاح ب” خدمة ليد” و” حلاوة اللسان” وتدبير أمر “لكليان” ، وانطلق الشريكان “عليك يا مولانا” ، وطبعا “الأرزاق بيد الله” ، لأنه فعلا “الحْوانت ـ عفواـ الأحزاب مْصافّة والأرزاق مخْتالفة”.
اتفقت الحركتان المندمجتان على تغيير اسم “بيت الزوجية” ، من الحركة الثلاثية النعوت ” الشعبية والدستورية والديمقراطية “، إلى كلمتين خفيفتين على اللسان ثقيلتين في الميزان اللغوي هما “العدالة والتنمية ” ، لذلك يثبت ثبوتا شرعيا وتاريخيا نسب “حزب العدالة والتنمية” إلى سلالة “الحركة الشعبية” ، وثمة روابط تاريخية توصل”البيجيدي” إلى صلب “الزايغ”.
يشاء التاريخ أن يتعرف الشعب في انتخابات 1997 على ” اللاعبين الجدد” الذين ضخهم الدكتور الخطيب في حركته ، بعد “ميركاطو سياسي” ، أذكر أنه خطب فينا وبيننا مرشح من تلك “الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية” ، فقال لنا قولا حكيما لم تألفه مسامعنا من غيره من المرشحين ، قال لنا سنتها ونحن متجمهرون نحملق في مرشح لا يوزع مالا ، يريد أن ينجح ” فابور ” : ” لا أرى فيكم أعدادا انتخابية …” ، صُعقنا لقوة العبارة ، لأن من سبقه من منافسيه كانوا لا يرون فينا سوى “رؤوسا بشرية أينعت ووصلت سن الرشد الانتخابي وحان قطافها ” ، وهذا ما كان سائدا حتى في الإعلام الرسمي بقناتيه وقتئذ ، حتى أن المرشح سنتها لا يتردد في استفسار المواطن بلا حياء ولا خوف : ” شحال عندك في الدار من راس ؟ ” ، وينعت أحد الأحياء بالقول ” هاديك عا ضاية غادي نشريها بالبط ديالها ” ، لكن وللتاريخ استحدث هؤلاء “اللاعبون السياسيون الجدد” المهرجانات الانتخابية الحاشدة والنظيفة والمنظمة ، ولم يستعينوا فيها ب” الدقايقية ولا بالبلطجية ” ، ولم يهتفوا بأهازيج جماهير كرة القدم ، ولم يخلفوا خلفهم جبالا من “فضلات” أوراقهم ، يسيرون صفا صفا ، خلف موسيقى حماسية ، ولا يشترون الذمم لأنهم لا يملكون المال أصلا.
احتل “اللاعبون الجدد” المرتبة العاشرة في سبورة انتخابات تشريعية قضمتها أنياب التزوير، حتى أن الدكتور الخطيب وصل إلى منزل أحد المرشحين ضحايا ذلك الغش الانتخابي في حي السلامة بسيدي عثمان بالدارالبيضاء في يوم مشهود أطل فيه الدكتور على المتجمهرين من شرفة منزل المرشح ، ورضخت السلطة وأعادت المقعد لصاحبه ، بعد أن سحبته ممن تسلمه ضدا في قواعد الأرقام و شهادات الناخبين .
وفي 2002 احتل الحزب الصف الثالث خلف “حرايفية ” العمل السياسي والانتخابي آنذاك الاتحاد والاستقلال ، وفي انتخابات 2007 صعد الحزب للصف الثاني خلف الاستقلال ، لينقض على الزعامة في 2011 ويترأس الحكومة بواسطة عبد الإله بنكيران ، ثم يعود للصدارة في 2016 ، ويواصل رئاسة الحكومة بواسطة سعد الدين العثماني .
على مستوى التنظيم يعتبر “العدالة والتنمية” من أكثر الأحزاب تنظيما وانضباطا ، ويكاد يكون مرجعا في ذلك ، رجاله كما نسائه مشهود لهم بنظافة اليد ، على الأقل في بداية مشوارهم السياسي وقبل دفء حضن السلطة والجاه ، وهذا ما يشهد له به الخصوم قبل الأصدقاء ، لكن مع شهادات بقلة الحيلة وضعف التجربة ، وزيغ عن الطريق بحسب الحاجة ، واقتراف بعض “الزبايل ” المرتبطة كلها ب” الجنس والجسد ” ، كما أنه في كثير من المرات يضبط أهله “يقولون ما لا يفعلون “، أو بعبارة أدق بات للحزب تفاوت بين منسوب القول ومنسوب الفعل ، خاصة وأن ” المياه تكذب الغطاس ” والمسؤولية تمتحن ” المعقول” ، لذلك لا غرابة أن يغطي الحزب على زلاته ببعض من ” فقهه ” فيدخل الحكومة برجله اليمنى ، و يدعو بدعاء دخول المقابر ويسلم على الحكومات البائدة ” أنتم السابقون ونحن اللاحقون…” .
وكمواطن شاب في سنة من السنوات و حالم بوطن يتسع ويحضن ويصون حقوق الجميع ، علقت آمالي على هؤلاء ” اللاعبين الجدد” ، لكن خسرت الرهان ، و يمكن تقييم رئاسة العدالة والتنمية للحكومة لخمس سنوات خلت ، ثم للسنتين الحاليتين ، في كلمتين اثنتين هما ” لا شيء” ، بل فشل الحزب حتى في المحافظة على طهارته التي ساقها كعربون للناخبين ، فقد توالت خطايا “الإخوان” ، من ضبط “شيخ” محصن ” وشيخة ثَيّب ” يمارسان الجنس في الخلاء على شاكلة القطط المشردة ، إلى”كوبل الحكومة ” وهما معا أهل “عدالة وتنمية” ، وكيف عشقا بعضهما إلى حد الجنون ، و ضحيا بالحقيبتين من أجل “إكمال نصف الدين” ، إلى “حادث المدلكة ” التي نظم وزيرهم في شأنها مُعلقَتًه التي تقول طلليتها ” قولو لها المدلكة يالال يالالال ….هي تْدَلّكْ في المرضى وحبيبها يتيم …” ، وتابع الرأي العام كيف هرب الوزير بالخليلة في سن الحفيدة الى بلد الأنوار والحريات ، وهناك ” كان ما كان “، وتابعوا كيف ضحى الوزير بالزوجة الأولى واشترى الثانية ب30 مليون سنتيم ، ثم أخيرا فضيحة ماء العينين و أغنية ” حجابك محلول أ للا حجابك محلول …” ، في واقعة صدمت “شعب البيجيدي” ، بل حتى بسكوت “علماء التوحيد والإصلاح” ، الذين لم يغيروا “مناكير إخوانهم وأخواتهم ” ، و لاموهم لوما خاطفا ، يقوم مقام الجواز والإباحة ، بل منهم من ربّت على كتف آمنة وقال لها ” لا تخافي ولا تحزني” .
وهكذا تميزت حصيلة ولاية بنكيران ب “صفر إنجاز” ، لكن مع ” شبعة ديال الضحك السياسي” ، وهو من منح لصوص المال العام الأمان ، بقولته الشهيرة ” عفا الله عما سلف” ، وكأن لديه تفويضا من الله تعالى أو من الشعب ليعفو عنهم باسمه ، و أما حصيلة خليفته العثماني فهي مثل نتيجة تلميذ كسول يحضر الحصص لكن لا يستوعب الدروس ، وإذا سأله المعلم حك رأسه وتظاهر بالنسيان .
وحدها الكتلة الناخبة هي التي ستحاكم العدالة والتنمية عن تدبيره وسياقته في سنة 2021 ، فإن أوتي مصباحه بيمينه فهو في عيشة راضية ، وإن خمد فتيل قنديله ، غادر الحكومة مطأطئ الرأس بلا حتى ” الله يخلف” ، ويعود لقلاع المعارضة يشن هجماته ضد خصومه ، بمدفعية “فقهية” ثقيلة ، يدعو بدعاء الخروج من المراحيض.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.