الطفلة وصال في برقية إلى وزير الصحة : سم المبيد أرحم من سموم مستشفياتك

0

محمد الشمسي

أرفع إلى معالي وزير الصحة المحترم هذه الرسالة الإخبارية ، المفعمة بالغضب والهلع ، على حياة طفلة كان سم مبيد أرحم بها من سموم مستشفياتكم سواء تلك التي تسمونها بالإقليمية او تلك الجامعية ، وأدعوكم إلى فتح تحقيق ، صونا للحق في العلاج ، وللحق في الحياة .

فقد استغفلت الطفلة وصال ذات السنتين ونصف عيون الرقابة ، زوال يوم الأحد 10 فبراير 2019 ، حوالي الساعة الثانية والنصف زوالا ، لتفتح قنينة مبيد الطفيليات بلونه الأبيض ظنته حليبا ، انتبهت الأم لحال الصغيرة بعد وشاية من صغير مثلها ، كانت رائحة المحلول القاتل تنبعث من فم وصال وقد سال قليل منه فوق ذقنها الصغير وعلى ملابسها ، استنفر القوم حالهم ، وهرعوا نحو سيارتهم لنقل الطفلة وصال من ضواحي مدينة بنسليمان ( جماعة الزيايدة) إلى المستشفى الإقليمي بالمدينة ، معتقدين أنهم يسوقون الضحية الى بر الأمان ، داخل المستشفى أخبروا الطاقم الطبي باسم المبيد ، وهذا الأخير أشار عليهم بضرورة نقل الصغيرة إلى مستشفى ابن سينا بالرباط ، ولأن سيارة الإسعاف الوحيدة التي يتوفر عليها المستشفى الاقليمي في مهمة بالرباط والعهدة عليهم ، فقد أشار الطبيب على العائلة نقل الطفلة بواسطة سيارتهم الخاصة ، لكن قبل ذلك قام الطاقم الطبي بثقب يد وصال الصغيرة وربطها بأنبوب موصل إلى كيس من “الصيروم” ، وأمروا أب وصال بحمل الطفلة ، في حين تكفلت جدتها بحمل كيس “الصيروم” ، وتحول أفراد الأسرة الى طاقم طبي من المسعفين ، وهرعوا نحو سيارتهم ، وسمح لهم الطاقم الطبي بالمستشفى الإقليمي بالمغادرة بطفلة بين الحياة والموت ، وبتلك الطريقة التي تنم عن كثير من اللامسؤولية ، في طريقهم نحو الرباط تم ربط الاتصال بي لاستشارتي في الأمر ، لم أصدق أن يتخلى طاقم طبي عن صغيرة على حافة الموت ، وأن يثقبوا يدها ويوصلوها بكيس ” صيروم” ، ويحولوا الأب إلى طبيب والجدة الى “ماجورة” ، أشرت عليهم بالقدوم الى المستشفى الجامعي ابن رشد بالدارالبيضاء ، أدخلنا الصغيرة الى قسم المستعجلات بالمستشفى الجامعي ابن رشد على الساعة الرابعة والنصف تقريبا ، لا من يجيب ولا من نخاطب ، مكاتب شبه مغلوقة ، وممرات خالية إلا من أقارب الصغار المرضى ، من حين لآخر يظهر طيف ممرض أو طبيب ، سؤاله لا يجدي نفعا ، ونحن نرقب حالة الصغيرة وصال ، نخشى أن يسلها منا الموت سلا ، فما بينها وبين الموت سوى مسافة وصول السم إلى قلبها الصغير ، لكن الصغيرة لا تبالي وهي تلعب بهاتف نقال ، يلهيها عن ألم الوخز الذي ألحقه بها أطباء المستشفى الاقليمي ببنسليمان ، وأخيرا حضرت طبيبة أشعرتنا أن الصغيرة تحتاج الى الخضوع للمراقبة الطبية ، لكن لا وجود لسرير شاغر ، واقترحت علينا الإبقاء بالصغيرة في الساحة ، وكلما شعرنا بمضاعفة نقصد الطبيب الذي سيلج مكتبه على الساعة السابعة مساء ، مقترح بدا لنا بئيسا ووحشيا ولا يحمل مشاعر الإنسانية ولا روح الواجب ، الساعة تشير الى السادسة مساء ، لا إسعافات أولية ولا هم يحزنون ، تركونا في ركن من أركان المستشفى البارد والمهمل بروائح كريهة ، حتى مللنا ثم انسحبنا نحو مصحة خصوصية في طب الأطفال دلنا عليها “الحاج غوغل” ، داخل المصحة حيث غلب الدرهم على القيم ، عمدت الطبيبة التي استقبلتنا على تهويل الأمر رغم أنها لم تكشف على الصغيرة ، ولم تلمسها حتى ، لعلنا فرصة لهؤلاء أثرياء المآسي ، أشارت علينا بضرورة مبيت الطفلة في قاعة الإنعاش ، وضرورة خضوعها لغسيل الأمعاء ، بل كانت تخاطبني أنا بصفتي عم الصغيرة دون حتى رؤية المريضة ، وختمت بثمن كل ما سبق بيانه وحددته في مبلغ 4500 درهم ، ثم زادت ” ويقدر يوصل ل 5000 درهم ” ، ولأن والد وصال لا حول له ماديا ، قرر أن يعود بصغيرته الى بيته بحي السدري بعمالة مقاطعات مولاي رشيد ، وأن يرجئ أمره لله ، فإن شاء منح الطفلة مزيدا من الحياة ، وإن شاء قبض روحها ولو تحت الإشراف الطبي ، قالها مكرها لا مختارا ، وعاد من حيث أتى ، تتبعه أمها مرتعشة وخائفة .
في غمرة ذلك الاستهتار بحياة الطفلة وصال ، كنت على اتصال دائم بالصحافة عبر مجموعات وتساب ، أنقل لهم كل خطوة بتجرد ، كانت قصة وصال قد غزت كل المواقع الالكترونية ومعها وسائل التواصل الاجتماعي ، ولم يهدأ هاتفي من الرنين ، فهناك جيش من رجال ونساء الإعلام يطلبون جديد الطفلة وصال ليس فقط مع السم الذي تجرعته بالخطأ ، بل كذلك مع “سم مستشفيات ” بلعت أموال الشعب كبنايات وبقيت جوفاء ، لا تقدم المطلوب منها.
اتصل أحد الصحافيين ، يطلب هاتف والد وصال ، بمبرر أنه في إطار مهنيته الصحفية وموضوعيته في نقل الخبر ، ربط الاتصال بإدارة مستشفى ابن رشد فوجد المسئولين هناك لا علم لهم أن الصغيرة غادرت المستشفى كما دخلته ، بلا تدخل طبي ينقذها من موت محقق ،فطلبت إدارة المستشفى من الصحفي مدها برقم هاتف والد وصال ، وبعد استشارة الصحفي لهذا الأخير تم التمكين من الرقم، ولأنه لا يزال بيننا “قوم كامونيين” ، تم ربط الاتصال بوالد وصال على الساعة التاسعة ليلا من طرف مسؤولة بقسم المستعجلات ابن رشد ، وألحت عليه بإرجاع الطفلة ، وحين استشارني والدها في الامر نصحته بعدم التوجه ، وأدركت بحكم تجربتي مع مثل هذه الإدارات الغشاشة ، أنهم لا يبحثون عن مصلحة وصال ، بقدرما يبحثون عن وسيلة لستر الفضيحة ، لكن أمام رغبة والد وصال في العودة بالطفلة الى مستعجلات ابن رشد و ” الله يسمح لينا من الوالدين ” قررت أن أكون من يصاحبها رفقة والدتها ، فقد كنت متيقنا أن في الأمر خديعة .
على غير دخولنا الأول ، كان دخولنا الثاني مرحبا به ،الساعة العاشرة إلا ربع ليلا ، وجدنا طبيبة تنتظرنا ، متحمسة لخدمتنا ، وكأننا فعلا مواطنين وكأن تلك الصغيرة من سلالة آدم ، فقبل ساعات قليلة كنا لا نساوي شيئا ، وطردونا بآخر ما استجد في عالم الطرد ، كان ما يهم الطبيبة هو تحرير تقرير عن النازلة ، أدركت معها أن حدسي لم يخنني .
حالة مستعجلات ابن رشد ليلا لا توصف ، اكتظاظ أمام مكاتب لا تفتح إلا نادرا ، بكاء الصغار وصياح الكبار ، ونفر قليل من الأطباء والممرضين ، “ومكاينش معا من تهضر” ، نفس تلك الرائحة المقززة التي وحدها هي مرض ، قنينات غاز عملاقة في حجم صواريخ تملأ الممرات ، وعربات صدئة هنا وهناك ، وأسرّة في الممرات ، وكأننا في حرب أو في كارثة ، طلبت مني الطبيبة عددا من المعلومات حول المبيد ، فمكنتها من صورة له ، أخذوا الصغيرة وصال من جديد الى مكتب مجاور وأخرجوا والدتها ثم قاموا بثقب يدها الصغيرة الأخرى وحصلوا منها على قنينات من الدم في شكل نزيف ، وطلبت الطبيبة منا أن ننتظر إلى أن تتدبر لها سريرا شاغرا تقضي الليلة فيه .
عارضت الفكرة ، وطلبت من الطبيبة أن نأخذ الصغيرة الى بيتنا ونخضعها للمراقبة ونتفاعل مع كل حركاتها وسكناتها ، وننقلها الى المستشفى عند كل مضاعفات ، لأن المكان لا يليق أن يبيت فبه مريض ، حينها طلبت مني الطبيبة ان أوقع لها على ظهر الملف ، وأن أتحمل مسؤوليتي جراء كل المضاعفات المتوقعة ، دون أن تهتم لمسؤولية المستشفى عندما طردنا في الزوال ، ودون أن تعلم أن وصال أمضت 10 ساعات بلا تدخل طبي ، فتناولت قلما وكتبت بخط يدي تاريخ و ساعة توقيعي على تقرير الطبيبة أي العاشرة والنصف ليلا ، وهو ما لم يرض الطبيبة التي ربما أرادت الإبقاء على التاريخ مفتوحا ، واستفسرت عن تاريخ ظهور نتائج التحليلات ، لكن الطبيبة غضبت لقراري رفض مبيت الطفلة في المستشفى ، وأخبرتني أنهم لن يسلموننا نتائج التحاليل ، فطالبتها بجرعات الدم التي سلبوها من الصغيرة ما دمنا لن نتوصل بالنتائج ، تأكد لي أنهم يقومون بما يقومون به ليس حبا في الصغيرة لكن من باب التكفير عن كبيرتهم وستر العورة ، وحتى لا يقال أن دولة قتلت طفلة .
طلبت الطبيبة مني الانتظار الى حين استشارة الحارسة العامة ، لكنها غابت ولم يظهر لها اثر وانتظرنا حوالي نصف ساعة على غيابها ، فقررت أنا وزوجة أخي حمل الصغيرة الى بيتها ، وهي تبكي من جراء الوخز الثاني الذي ألحقوه بها في يدها الأخرى ، فقد كانت الساعة تقترب من منتصف الليل .
لا تزال وصال بيد الله كبقية خلقه ، لكن مع حالتها تيقنت أن ” الستار الله” في وطني الذي يعاني مثلما تعاني وصال ، للأسف هناك وزارة وهناك وزير وهناك أرقام وهناك برامج وهناك ميزانيات ، وهناك كلام كثير ، ومسؤولية مربوطة بمحاسبة لكن بخيط عنكبوت ، وجعجعة بلا نهاية ، لكن واقعة الطفلة وصال ضربت الكل في صفر ، ليكون الحاصل ” صفر صحة ” ، وليكون الاستنتاج المؤلم ” إذا كنت موسرا فلك أن تمرض وتنزل في مصحات خمس نجوم ، أو تحملك طائرات خاصة نحو مصحات خاصة ولو خارج الحدود ، وإذا كنت من فصيلة “بني شعبون” فيستحسن أن تموت مباشرة ” .
هذه رسالتي إلى معالي وزير الصحة كتبتها بكل صدق ، ولمعالي الوزير أن يتيقن ويزور قسم مستعجلات ابن رشد الخاص بالأطفال ، على حين غرة ، وسيكتشف ما لم يكتشفه كريستوف كولومبوس .
الحمد لله وصال حية ترزق ، ومستشفيات وطنها ميتة .

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.