حزب جلب الاستقلال للبلد وفقد استقلال الحزب

0

محمد الشمسي

تذكر صفحات من التاريخ السياسي المغربي المتخم بالمغالطات ، والأحداث الموضوعة والضعيفة ، أن حزب الاستقلال كان سببا في نفي المغفور له محمد الخامس من المغرب ، واستبداله بملك مزيف لم يعمر طويلا .

وهذه التفاصيل ….
فقد كان التهامي لكلاوي باشا مراكش شخصية سياسية وعسكرية غيرعادية ، ولا يمكن حصرها في تلك الصور النمطية التي تطالعنا بها بعض الكتب الرسمية ، تظهر الرجل قابعا وسط جلابيبه بالأبيض والأسود وشاربه الصغير وسحنته السمراء ، كان هذا الباشا ثريا وقويا وذكيا وغدارا و مصلحيا و منتقما ثم خائنا لوطنه ، يذكر التاريخ أن ثروة الباشا التهامي لكلاوي لم تكن تقتصر على آلاف الهكتارات ومثلها من رؤوس الأغنام والأبقار والخيل والبغال والحمير ، والعبيد والخدم ، والذهب والفضة ، مما اعتاد الناس عده من ثروات أثريا ذلك الزمان ، بل يذكر التاريخ أن ثروة الرجل امتدت خارج المغرب ، وبعيدا عن جبال الأطلس ، فقد كان التهامي لكلاوي يملك أسهما في بورصتي باريس ولندن ، حتى أنه عمد الى تشكيل جماعة ضاغطة في البرلمان الفرنسي ( الجمعية العمومية) للدفاع عن مصالحه ، وأنه استثمر في ثلاث أو خمس جرائد إيمانا منه في تلك الأزمنة الغابرة بقوة الإعلام ، وأنه كان صديقا للرئيس الأمريكي روزفلت ، ورئيس الوزراء البريطاني تشرشل ، والممثل العالمي شارلي شابلان ، وأنه كان يمارس رياضة الكولف في زمن لم يكن فيه المغاربة يعرفون حتى كرة القدم بل والرياضة عموما ، نفوذ هذا الباشا توطدت وتوغلت ثم تغولت ، واستطاع أن يُخضع كل قبائل الأطلس والحوز ، ويبني مملكته الصغيرة التي كان يسود فيها ويحكم ، و في نفس الوقت استطاع بحنكته ودهائه أن يحافظ على علاقة طيبة مع القصر ممثلا في المغفور له محمد الخامس من جهة ، ومن جهة أخرى كان مواليا للاستعمار الفرنسي حيث كان يده التي يبطش بها ضد القبائل الثائرة ، أو الشخصيات الوطنية المناوئة للاستعمار ، لذلك لا غرابة أن يحافظ ويواظب الباشا التهامي لكلاوي على زياراته التقليدية للملك لتجديد البيعة وتقديم الهدايا من جهة ، ثم يحافظ على علاقته مع المحتل الفرنسي الذي يغنيه هذا الباشا أعباء قمع القبائل الثائرة .
في إحدى زياراته إلى المرحوم جلالة الملك محمد الخامس ، وفي إطار تنظيم البروتوكول الملكي كان محمد الخامس رحمه الله يحرص على استقبال وفد حزب الاستقلال أولا ، ثم يليه استقباله للقياد والباشوات والشخصيات ، لكن جبروت الباشا التهامي لكلاوي جعله يطلب من الملك استقباله هو الأول قبل أعضاء حزب الاستقلال وباقي الضيوف ، إلا أن محمد الخامس بهمّة رجال زمان ، طرده من القصر شر طردة ، وعرّضه لإهانة كان يعتقد التهامي لكلاوي أنه لم يولد بعد من يهينه بها ، فخرج الباشا لكلاوي “وعينه حمرة” على ملك البلاد ، راغبا في الانتقام لشرفه ، وكيف أن الملك رفض له طلبا يراه التهامي بسيطا ، ويراه الملك قلة حياء ، وكيف أن الملك يفضل استقبال أعضاء من حزب الاستقلال عنه و هو صاحب القوة والبأس ، ويذكر التاريخ أن الباشا التهامي لكلاوي وظف كل المعارف والسبل ، وأخرج كل أسلحته ، وضغط على جميع أزرار الضغط لديه ، ونزل بكل ثقله ، لأجل إقناع المقيم العام بوجوب عزل و نفي محمد الخامس واستبداله بملك لعله جاهزا للتربع على العرش ، حتى أن التاريخ يذكر أن التهامي لكلاوي خير الفرنسيين ب ” يا يمشي محمد الخامس من المغرب ، يا تمشيو نتوما من المغرب” ، وأحضر الباشا المغرور ملكا مزيفا ، وهو من الأشراف العلويين اسمه محمد بن عرفة ، ولأجل ذلك استنفر حزب الاستقلال كل القوى لإعلان العصيان ضد المستعمر والمطالبة بإرجاع المغفور له محمد الخامس الملك الشرعي الى عرشه ، وطرد الملك المزيف …
لا تهمنا نهاية القصة رغم ما فيها من تشويق ، بقدرما يهمنا مدى العلاقة الوطيدة التي ربطت القصر الملكي في شخص جلالة الملك محمد الخامس رحمه الله ، بأطر وأعضاء حزب الاستقلال في عز الشدة والمحنة التي كان يعيشها المغرب .
ذلك هو حزب الاستقلال الذي لا يمكن الحديث عن استقلال المغرب دون الحديث عنه ، وعن زعيمه الفقيه والشاعر والمفكر علال الفاسي ، وعن رجاله الأشاوس ، كان هذا الحزب العريق مدرسة ، بل جامعة مكتملة الأركان ، ولعل ما اقترفه الحزب من أخطاء ألصقها به خصومه من المنظومة السياسية المغربية شيء طبيعي ويمكن أن يصدر عن اي حزب ، بما في ذلك تورطه في بعض “التصفيات السياسية” خاصة ضد غريمه “الشورى والاستقلال” ، وتعصبه للعربية ، لكن ما يهمنا أن حزب الاستقلال كان شجرة باسقة عالية جذورها في إفريقيا و فروعها في آسيا وأوربا وحتى أمريكا .
ويحكي لي بعض الأقارب المسنين ممن لا يزالون على قيد الحياة ، أن كل سياسي في الستينيات والسبعينيات كان يوصف ب”الاستقلالي” ، فلا سياسة يمكن ممارستها خارج أسوار “حزب الاستقلال ” ، حتى أن الحزب أوشك أن يقتسم السلطة مع القصر في زمن المرحوم محمد الخامس بعد الاستقلال ، وحتى أن هناك من يتهم الحزب بجنوحه سنتها نحو نمط الحزب الوحيد والاستيلاء على مفاصل الدولة ، لكن أوراق الحزب تبعثرت بتربع المرحوم جلالة الملك الحسن الثاني على العرش ، حيث أعاد هذا الاخير تشكيل الخارطة الحزبية والسياسية بالمغرب في زمن جاز وصفه بحقبة ” الحريق السياسي المغربي ” ، زمن حرب الرمال ، ومحاولات الانقلابات والإضرابات والاقتتالات الحزبية ، والاغتيالات والاختطافات والإعدامات ، كانت أولى بوادر “سنوات الرصاص” التي لم ينطفئ جمرها إلا في عهد جلالة الملك الحالي محمد السادس .
عانى حزب الاستقلال كغيره من الأحزاب الوطنية والتاريخية والشرعية من مظاهر تزوير الانتخابات ، لكنه كان يحقق الصدارة بوجود منافسة غير شريفة مع “أحزاب البلاط” التي أُنشِأت لتنجح ، ويمكن القول أنه الى حدود ولاية المرحوم امحمد بوستة كان الحزب سليما معافا إلى حد ما ، لكن مع وصول عباس الفاسي للأمانة العامة وتشكيله للحكومة ، وفشل حكومته في تحقيق شيء يذكره التاريخ لها وللشعب ، شرع الحزب في النزيف ، ليس على مستوى النتائج الانتخابية فقط ، بل حتى على مستوى نوعية الخطاب ، ونوعية الرجال ، ونوعية المنهج الذي بات عليه حزب “خُلق ليحكم” ، وعندما أنهى عباس الفاسي ولايته سواء على رأس الحكومة أو على رأس الحزب ، كان قد أنهى معه اسطورة حزب بات أسدا عليلا يمكن للعين أن تعدّ أضلعه ، وكان هناك سرب من الغربان يحلق فوق سماء الحزب ينذر بقرب سقوط الجثة ، لعلها جثة الحزب عندما قاده رجل اسمه “حميد شباط” ، الذي نزل بالحزب من القسم الاحترافي السياسي إلى قسم الهواة سياسيا ، ولم يعد لحزب الاستقلال وحزب التاريخ وحزب الجغرافية أية ميزة تفصله عن أحزاب “الكوكوت مينوت” ، أو ” أحزاب المخزن ” ، أصبح الحزب يعول فقط على مقولة ” إلا مشا الزين يبقاو حروفو” ، أو “إلا مشات الفُورْمَا يبْقا لفّانْت” .
قد يُحسب لحزب الاستقلال أنه لم يمرض بداء الانشقاق كما مرض غيره ، لكنه أصيب بداء الشيخوخة المبكرة ، وبات عقيما عن إنتاج الأفكار والبرامج التي كان هو مصدرها وملهمها ، و سقط الحزب في “فخ حُضن السلطة” ، وابتعد شيئا فشيئا عن مريديه في الأوساط الشعبية ، وباتت قياداته تشعر أنها في غنى عن قواعدها ، ودخلته وجوه مشبوهة تجر خلفها صيحات من الفضائح ، ووجوه أخرى سجلها العدلي غارق بالسوابق ، وثالثة وقفت في قفص الاتهام بتهم يستحيي منها الفقيه علال الفاسي لو كان حيا ، لذلك فالحزب وإن لم يمت فهو مزكوم مخنوق ، وقد لا تكون “بركة البركة” ، ولا “حبة البركة” هي الترياق ، بل صار الحزب في حاجة إلى حصص من “الصعق الكهربائي” ليسترجع أمجاده ، فهو الذي جلب الاستقلال للبلد وهاهو يفقد استقلال الحزب .

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.