قراءة في كلمة الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض أثناء افتتاح السنة القضائية 2019 : أية دلالة لاستقلالية السلطة القضائية ؟

0

الدكتور الحَسن العباقي
باحث في الشريعة والقانون

لا مراء في أنّ سنة 2018 عرفت الكثير من التجاذبات والنقاشات المتعلقة بالشأن القضائي بوجه خاص وبشأن العدالة عموما، استمرّت إلى النَّفَس الأخير منها بالمصادقة على التنظيم القضائي بعد قراءة ثانية، ويبدو جليا أنّ تلك التجاذبات قد أرخَت بظلالها على الجلسة الرسمية لافتتاح السنة القضائية 2019 التي حَظيت باهتمام كبير لكل المهنيين فضلا عن المهتمين ورجال الإعلام، نظرا للظرفية الدقيقة التي جاءت فيها والتي تتزامن مع عرض التنظيم القضائي المصادق عليه على المحكمة الدستورية للبت في مدى دستوريته، وأيضا نظرا للمضامين التي تم تداولها خلال هذه الجلسة، وهو ما يجعلني أتقدّم بهذه القراءة الأولية، أحاول من خلالها مناقشة مجموعة من المضامين التي تبقى في نظري المتواضع، وجهات نظر قابلة للنقاش وأيضا للعرض على النصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل، وأُجمل هذه القراءة الموجزة في مستويين، أخصّص الأول منهما لبعض الملاحظات الشكلية، والثاني لمناقشة المقترح الجديد لتأطير “استقلال السلطة القضائية”.
أولا: ملاحظات من حيث الشكل
كثيرة هي الملاحظات التي يمكن تناولها بهذا الخصوص أكتفي منها بما يلي:
1- تأملت كثيرا في غزارة المضامين التي تمّ استعراضها في هذه الجلسة الافتتاحية، وفي تنوعها وتعدد مستوياتها ومراميها، الشيء الذي أخرج الجلسة الافتتاحية عن الإطار القانوني والتنظيمي المحدّد لها، لأنّه إذا كانت الكلمة الملكية التي تُلقى حينما يترأس الملك الجلسة الافتتاحية تتمتّع بالطبيعة الشمولية والبُعد التوجيهي بل وكثيرا ما تكون مؤسِّسة لقواعد يمكن الرجوع إليها في تحديد السياسة العامة في العدل كما في وضع البرامج والخطط المتوسطة والبعيدة الأمَد، فإن الأمر يختلف بخصوص كلمتَي كل من الرئيس الأول لمحكمة النقض والوكيل العام للملك لديها، لأنهما مؤطرتان بحدود مضبوطة، وفق ما هو منصوص عليه في المرسوم التطبيقي رقم 2.74.498 الصادر تطبيقا للظهير الشريف بمثابة قانون رقم 1.74.338 المتعلق بالتنظيم القضائي، وخاصة الفصل 8 منه الذي حدّد الإطار العام لِما سيتم عرضه في هذه الجلسة، حيث جاء في فقرته الأولى: “يعقد المجلس الأعلى […] جلسة افتتاحية رسمية تستعرض خلالها منجزات السنة القضائية وكذا القرارات القضائية الهامة التي من شأنها أن تهم المحاكم الأخرى”؛ فإذا كان مجال كلمة الرئيس الأول لمحكمة النقض من خلال هذا الفصل هو التعريف بنشاط المحكمة خلال السنة المنتهية وكذا بالقواعد المتميّزة التي تعتبر من الاجتهادات الهامة بحيثُ يمكن اعتمادها من طرف قضاة المملكة أو حتى من طرف المشرع إذا ما ترسّخ العمل بها لاحقا؛ فإنه حَصر كلمة الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض في استعراض مُنجزات السنة الماضية؛ إلا أنّه بالرجوع إلى ما تمّ عرضه خلال الجلسة الافتتاحية لهذه السنة، نجد كلمة هذا الأخير قد صالت وجالت في أمور شتّى وأحيانا بعيدة عمّا هو منصوص عليه في الفصل المشار إليه أعلاه، حيث ضمت حديثا مستفيضا عن رئاسة النيابة، وحديثا عن بعض الاحتياجات الضرورية وردت على شكل مطالب، ودفاعا عن فهم خاص جدا لاستقلالية السلطة القضائية، ودعوة لإعادة النظر في منظومة التكوين بالمعهد العالي للقضاء، إلى غير ذلك من المحاور غير المؤطرة بالنص التشريعي سالف الذكر؛ علما أنّ نفس المقتضيات تم تأكيدها في المنشور 845 الصادر بتاريخ 16 مارس 1979 والذي تم تحيينه بتاريخ 17 دجنبر 2010 حيث جاء فيه: “ﻳﻔﺘﺘﺢ ﺍﻟﺮﺋﻴﺲ ﺍﻷﻭﻝ ﻟﻠﻤﺠﻠﺲ ﺍﻷﻋﻠﻰ ﺍﻟﺠﻠﺴﺔ ﺑﺎﺳﻢ ﺟﻼﻟﺔ ﺍﻟﻤﻠﻚ ﻭﻳﺘﻮﻟﻰ ﺑﻬﺬﻩ ﺍﻟﻤﻨﺎﺳﺒﺔ، ﻭﺑﺤﻀﻮﺭ ﺍﻟﻬﻴﺌﺔ ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻴﺔ ﺑﺎﻟﻤﺠﻠﺲ ﺍﻷﻋﻠﻰ، ﺍﻟﺘﻌﺮﻳﻒ ﺑﺠﻬﻮﺩ ﺍﻟﻤﺠﻠﺲ ﻭﻧﺸﺎﻃﻪ، ﻭﻳﺴﺘﻌﺮﺽ ﺃﻫﻢ ﺍﻟﻤﺒﺎﺩﺉ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻀﻤﻨﺘﻬﺎ ﺍﺟﺘﻬﺎﺩﺍﺗﻪ ﺧﻼﻝ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﺍﻟﻔﺎﺭﻃﺔ، ﻭﺍﻟﻨﺘﺎﺋﺞ ﺍﻟﺘﻲ ﺍﻧﺘﻬﻰ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﻣﻜﺘﺒﻪ […] ﻭﻳﺘﻮﻟﻰ ﺍﻟﻮﻛﻴﻞ ﺍﻟﻌﺎﻡ ﻟﻠﻤﻠﻚ ﻟﺪﻯ ﺍﻟﻤﺠﻠﺲ ﺍﻷﻋﻠﻰ، ﺇﺑﺮﺍﺯ ﻧﺸﺎﻁ ﺍﻟﻨﻴﺎﺑﺔ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﺑﻪ، ﻣﺴﺘﻌﺮﺿﺎ ﺍﻹﺣﺼﺎﺋﻴﺎﺕ ﺍﻟﺨﺎﺻﺔ ﺑﺎﻟﻨﺸﺎﻁ ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻲ ﻟﻠﻤﺠﻠﺲ، ﻭﻣﺮﺩﻭﺩﻳﺘﻪ ﺧﻼﻝ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻴﺔ ﺍﻟﻤﻨﺼﺮﻣﺔ”.
لعلّ، الإطار هنا أكثر جلاء على مستوى تحديد مجال ما يجب عرضه أثناء الجلسة الافتتاحية للسنة القضائية، إلاّ أن جُزءا كبيرا مما تم استعراضه في كلمة السيّد الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بهذه المناسبة، يصلح أن يُتناول في ندوة علمية تناقش التوجهات الكبرى لمشاريع إصلاح منظومة العدالة أو تتناول بالدراسة والتحليل المقاربات القانونية والواقعية لتحديد مفهوم استقلالية السلطة القضائية، أو غير ذلك من المواضيع الحيوية والشائكة في نفس الوقت، أما إدراجها في افتتاح السنة القضائية، فهذا أوسع بكثير مما يجب أن تشمله الكلمتين الرسميتين المؤطرتان تشريعيا وتنظيميا بما تمّ بيانه أعلاه.
2- غير خاف بأن كلا من الرئيس الأول لمحكمة النقض والوكيل العام للملك لديها يتمتعان بأكثر من صفة تتفرع عن صفتيهما الأصليتين سالفتي الذكر، حيث يُعتبر الأول وبصفته تلك هو الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية حسب الفصل 115 من الدستور، ويُعتبر الثاني عضوا بذات المجلس من جهة أولى، ورئيسا للنيابة العامة من جهة ثانية؛ إلا أنّه رغم تعدّد هذه الصفات، فإنّ الصفة الأصلية، هي المعنية بالجلسة الافتتاحية للسنة القضائية حسب النصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل، والتي لم يَطرأ عليها أيّ تعديل إلى حدود الساعة –حسب علمي المتواضع-، ولازالت مهمة افتتاح السنة القضائية منوطة بمحكمة النقض–المجلس الأعلى سابقا- وليس بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، ولذلك أكّد الفصل 8 من المرسوم التطبيقي 2.74.498 على أنّ ما يُستَعرض بتلك الجلسة يتعلق بمنجزات السنة القضائية السابقة وبأهم القرارات الصادرة عن محكمة النقض، وهو نفس ما أكّده المنشور 845 سالف الذكر، ومن ثمّ، فالصفة المعنية بهذا المقام هي الصفة الأصلية وليس ما تفرّع عنها من صفات؛ إلا أنّه بالرجوع إلى كلمة السيد الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، نجد جُزءا مهما منها يتناول تفاصيل كثيرة عن “رئاسة النيابة العامة”، من الحديث عن مرور سنة على وجودها، إلى الحديث عن خصوصية تنزيل استقلاليتها، فتناوُلِ المهام المنوطة بها، ثم الإسهاب في الحديث عن موقِعها من السلطة القضائية واعتبارها مؤسسة قيادية بها وموقعها من المجلس الأعلى للسلطة القضائية باعتبارها مؤسسة تمارس مهامها إلى جانبه وليس من خلاله؛ ثم الحديث عن الخصاص الكبير الذي تعاني منه على مستوى قضاة النيابة العامة والدعوة إلى تخصيص مناصب مالية كافية بهذا الشأن؛ فالتأكيد على كون السنة الماضية كانت مرحلة بناء هياكل رئاسة النيابة رغم بعض الصعوبات، ثم تسليط الضوء على مجهوداتها الرامية إلى مدّ جسور التواصل مع المواطنين باعتبارها آلية لترسيخ ثقتهم بها ومؤشرا على ذلك … إلخ.
لا شكّ أنّ هذه المعطيات وغيرها تكتسي أهمية بالغة على مستوى تشكيل رؤية واضحة عن موقع مؤسسة رئاسة النيابة العامة وما تضطلع به من أدوار وتطمح إلى تحقيقه من نتائج، إلا أنها غلّبت في شقّ كبير من تلك الكلمة الصفة الفرعية التي هي رئاسة النيابة العامة، على الصفة الأصلية المعنية باستعراض النشاط القضائي لمحكمة النقض ومردوديته خلال السنة القضائية المنصرمة مذيلا بالإحصائيات الخاصة بذلك، ألا وهي صفة “الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض”.
3- من بين المهام الدستورية التي طوّق بها الدستور المجلس الأعلى للسلطة القضائية، الإشراف على تدبير وضعية القضاة، وهو الأمر الذي كان حاضرا بشكل كبير في كلمة السّيد الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، مما يوحي على الأقل من الناحية النظرية بتغليب صفة العضوية بالمجلس على الصفة الأصلية سالفة الذكر في كل ما له علاقة بذلك، وهو ما تجلى بوضوح في “المَطالب” الموجّهة إلى السلطة الحكومية المكلفة بالعدل والمتعلّقة بتخصيص مناصب مالية لسد الخصاص على مستوى قضاة النيابة العامة، وبالتعويض عن الديمومة بخصوص قضاتها وقضاة التحقيق، والتعويض عن المسؤولية، والتعويض عن التنقل والانتداب، وغيرها مما يرتبط بتدبير الوضعية المادية للقضاة؛ كما يتجّلى في الدعوة إلى إعادة تنظيم المعهد العالي للقضاء والمطالبة بجعله تحت إشراف السلطة القضائية، تلكُم الأمور التي تستوجب الأخذ بعين الاعتبار ما يلي:
أ- لن يُخالف أحد في أهمية “المَطالب” المادية المشار إليها أعلاه وفي ضرورة الاستجابة لها على وجه الاستعجال، إلا أنّ موقعها الأصلي هو الهيئة المشتركة التي تجمع المجلس الأعلى للسلطة القضائية ووزارة العدل، إذ هي المخوّل لها حسب ما ذهبت إليه المادة 54 من القانون التنظيمي 100.13 أن تتداول في المجال المشترك والمتعلق بالإدارة القضائية بشكل عام، وأيضا لأنّ وزارة العدل هي المكلفة باتخاذ كافة التدابير اللازمة لتنفيذ المقررات المتعلقة بالوضعيات الإدارية والمالية للقضاة إلى جانب وزارة المالية، حسب منطوق المادة 55 من ذات القانون التنظيمي؛
ب- لابد من الإشارة هنا، أنّ حديث السيد الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض عن ضرورة إعادة تنظيم المعهد العالي للقضاء، جاء مصحوبا بدعوته لضرورة تخويل الإشراف عليه إلى السلطة القضائية وليس إلى السلطة الحكومية المكلفة بالعدل، وقد استعمل مصطلحات دقيقة جدا ينبغي أخذها بعين الاعتبار، لأنه قد ميّز بشكل واضح بين السلطة القضائية وبين المجلس الأعلى للسلطة القضائية في أكثر من مناسبة، و”المجلس” وفق المقاربة التي يتبنّاها ليس إلا جزءا من السلطة القضائية التي تضمّ إلى جانبه مؤسسة لا تقل عنه أهميّة ألا وهي “رئاسة النيابة العامة”، ولهذا السّبب بالذات، جاء في الكلمة ما يُفيد بأنّ رئاسة النيابة العامة “مؤسسة قيادية داخل السلطة القضائية المستقلة”، كما جاء فيها بأنّها تضطلع بالدور المُسند إليها “إلى جانب المجلس الأعلى للسلطة القضائية”؛ وهو ما يجعلنا وفق هذه المقاربة أمام مؤسستين مستقلّتين يعملان إلى جانب بعضهما ويشكلان معا “السلطة القضائية المستقلة”؛ ومن ثمّ، فحينما يدعو السيد الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض إلى إشراف السلطة القضائية على المعهد العالي للقضاء، فالمقصود هنا كلا المؤسستين وليس المجلس الأعلى للسلطة القضائية، إلا أنّ هناك مجموعة من التفاصيل التي تُعَارض هذه المقاربة وتجعل تنزيلها غير ممكن إلا في حدود أخرى غير الحدود التي وُضعت لها، وهو ما سأجمله في النقطة الموالية؛
ج- لقد تقدّم ميثاق إصلاح منظومة العدالة بمجموعة من التوصيات تتعلق بمنظومة التكوين، فإذا كانت التوصية 141 قد نصت على ضرورة إحداث معهد لتكوين القضاة، فإن التوصية 143 قد نصت على إحداث المدرسة الوطنية لكتابة الضبط، والتوصية 144 نصت على إحداث مؤسسة لتكوين المحامين ومعهد وطني للتوثيق ومركز لتكوين العدول والمفوضين القضائيين والخبراء القضائيين؛ وهو ما يلزم منه بالضرورة أننا سنكون أمام بِنية حديثة للمعهد العالي للقضاء، تختلف تماما عمّا هو عليه الآن؛ وبما أنّ هذا الأخير سيحتضن كلّ تلك المؤسسات الناظمة للتكوين، فإنّ الحديث عن أُحادية الإشراف لن تجد سندا لها إلاّ على مستوى “معهد تكوين القضاة” وليس على مستوى “المعهد العالي للقضاء” الذي ينبغي أن يكون الإشراف عليه مشتركا في حالة احتضانه لكل المؤسسات المشرفة على التكوين المشار إليها أعلاه؛ هذا دون إهمال المقاربة الموازية التي تفضّل الاستغناء عن المعهد العالي للقضاء والاكتفاء بالمؤسسات التكوينية للمهن القضائية مع إخراج إطار قانوني لكل مؤسسة على حدة، ويكون الإشراف عليها مرتبطا بالسلطة التي تتبع لها الفئة المهنية المستهدفة من التكوين.
ثانيا: ملاحظات حول المفهوم المقترح لاستقلال السلطة القضائية
قدّم الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض في كلمته بمناسبة افتتاح السنة القضائية الجديدة فَهما خاصة لاستقلالية السلطة القضائية، مُعتبرا بأنها لن تكتمل دون تحقيق الاستقلال المالي والمادي للمحاكم وإقرار سلطة مسؤوليها عن كافة مواردها البشرية، على اعتبار أن تلك الموارد لازمة لها لأداء مهامها وإنجاز برامجها وتنفيذ التزاماتها الدستورية، وهو المقترح الذي أتقدم بخصوصه بما يلي:
1- لقد حدّد الدستور بشكل صريح وواضح مهام المجلس الأعلى للسلطة القضائية، مُقسّما إيّاها لمحورين أساسيين، يتعلّق الأول بالسهر على تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة “ولا سيما فيما يخص استقلالهم وتعيينهم وترقيتهم وتقاعدهم وتأديبهم” وهو موضوع الفقرة الأولى من الفصل 113؛ ويتعلق الثاني بوضعية القضاء ومنظومة العدالة بشكل عام حسب ما نصّت عليه الفقرتان الثانية والثالثة من نفس الفصل، ومُهمة المجلس في هذا المقام، لا تتجاوز إعداد التقارير وإصدار التوصيات وتقديم الآراء، إما تلقائيا أو “بطلب من الملك أو الحكومة أو البرلمان، آراء […] مع مراعاة مبدإ فصل السلط”؛ ولعلّه بادٍ للعيان أنّ هذه المقتضيات الدستورية لا تنسجم مع محاولة توسيع مجال اشتغال المجلس ليشمل باقي الموارد البشرية داخل المحاكم، وإلا وجب السّعي إلى تعديل الفصل 113 من الدستور، لأنّه لا معنى ل “تسيير السلطة القضائية للموارد البشرية والمالية اللازمة لأداء مهامها دون تدخل سلطة أخرى” إلا الدعوة إلى إقرار تبعية موظفي كتابة الضبط إلى السلطة القضائية عِوض السلطة التنفيذية، الشيء الذي يتطلب بالضرورة إشراف المجلس على تعيين هؤلاء الموظفين وترقيتهم وتقاعدهم وتأديبهم، وهو كما سبق بيانه يتجاوز اختصاصات المجلس الأعلى للسلطة القضائية المحدّدة دستوريا؛
2- لقد تناول الدستور موضوع الاستقلال الإداري والمالي في الفقرة الثانية من الفصل 116 وربطها بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية دون المحاكم، حيث جاء فيها: “يتوفر المجلس الأعلى للسلطة القضائية على الاستقلال الإداري والمالي”، وهو المقتضى الذي أكّده القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية في الفقرة الأولى من المادة 5 التي جاء فيها: “[…] يتمتع المجلس الأعلى للسلطة القضائية بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي”، مما يجعل الحديث عن الاستقلال الإداري والمالي للمحاكم وفق المقاربة أعلاه غير مؤطر دستوريا، لأنّ الاستقلالية الواردة في النصين والتي من شأن المساس بها أن يمسّ باستقلال السلطة القضائية، ملازمة للمجلس الأعلى للسلطة القضائية نظرا لخصوصية المهام المنوطة به، وليس تتعلق بالمحاكم على اعتبار أنّها مجال تشترك في تدبيره وتقديم الخدمات المنوطة به كلٌّ من السلطة القضائية والسلطة التنفيذية؛
3- إنّ جعل اكتمال استقلالية السلطة رهينا بتبعية موظفي كتابة الضبط بالمحاكم لسلطة المسؤولين القضائيين بشكل مباشر وللمجلس الأعلى للسلطة القضائية باعتبارها السلطة العليا؛ يجعلنا نبتعد عن مقتضيات الفصل الأول من الدستور الذي جعل النظام الدستوري للمملكة يقوم على أساس فصل السلط وتوازنها وتعاونها؛ ولابد من التأكيد هنا أن التعاون والتوازن يقتضيان تبعية كل مكون من مكونات منظومة العدالة للسلطة التي تُشرف على تعيينه وترقيته وتأديبه، كما يقتضيان قيام كلّ سلطة بما يضمن أداء الموارد البشرية التابعة لها للمهام المنوطة بها على أحسن وجه، ثم التنسيق بينهما في كل القضايا المشتركة أو التي تتطلب تكامل الأدوار، وهذا ما يقع على طرفي نقيض مع التوجّه القائل بضرورة تبعية كل الموارد البشرية بالمحكم للسلطة القضائية، لأننا والحالة هذه، سنكون أمام تبعية سلطة لأخرى، وسنُغيّب مفهوم التوازن بين السلطات، كما سنُعرِض عن مفهوم التعاون؛ ولابد من التأكيد في هذا المقام، أنّ هذان المبدآن لا تبرز قيمتهما إلا في المجالات المشتركة التي تعرف تدخّل أكثر من سلطة، كما هو الشأن بالنسبة للمحاكم، ومن ثمّ، فالجنوح إلى تغليب سلطة على أخرى عبر إخضاع الموارد البشرية للثانية إلى الأولى، من شأنه أن يُنتِج واقعا لا دستوريا، خاصّة أنّ جهاز كتابة الضبط،له نظام أساسي واضح في دلالته على تبعية الجهاز للسلطة التنفيذية على اعتبار أن موظفيه جزء لا يتجزأ من الوظيفة العمومية الخاضعة لإشراف السلطات الحكومية؛
4- أشار السيد الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض في كلمته إلى ضرورة تعديل النصوص القانونية والتنظيمية بما يمكن النيابة العامة من تنفيذ برامجها بنَفسها، كما أشار إلى ضرورة سيطرة هذه الأخيرة على الشبكة المعلومات وغيرها من الوسائل لتعمل على تطويرها؛ ولابد هنا من طرح سؤال عريض جدا أجمله في الآتي:
أليس الحديث عن الشبكة المعلوماتية والتطبيقات التي أعدّتها وزارة العدل وكل التقنيات الحديثة المستعملة لتيسير العمل داخل المحاكم ولجعله أكثر نجاعة وتأهيل الموارد البشرية القائمة على كل ذلك هو جوهر الإدارة القضائية التي حدّد المشرّع مجالا للحسم في أيّ إشكال من شأنه أن يعترضها وأحدث لذلك الهيئة المشتركة بين المجلس الأعلى للسلطة القضائية والسلطة الحكومية المكلفة بالعدل ؟
لا شكّ أنّ المشرّع حينما نصّ على إحداث تلك الهيئة في المادة 54 من القانون التنظيمي رقم 100.13 محدّدا مجال تدخّلها في كل ما يتعلّق بالإدارة القضائية لم يعدُ الصّواب، مما يؤهّل هذه الهيئة لتكون نموذجا عمليا وواقعيا لإمكانية تجسيد التعاون والتوازن بين السلطات، من خلال الاتفاق والتوافق على آليات تدبير المشترك وتقنيات التكامل بين الأدوار؛
5- لقد مكّن المشرّع كلا من المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة من موارد بشرية توضع تحت تصرّفهما، ولم يُدرج ضمنها موظفي كتابة الضبط الذين يزاولون مهامهم بالمحاكم، وهو ما جاء مفصّلا في المادة 50 من القانون التنظيمي رقم 100.13 فيما يتعلق بالمجلس، وفي الفقرتين الأخيرتين من المادة 4 من القانون رقم 17.33 المتعلق بنقل اختصاصات السلطة الحكومية المكلفة بالعدل إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض فيما يتعلق برئاسة النيابة العامة؛ بل إن القانون 17.33 قد أكّد في مادّته الأولى بأنّ هذا الأخير يمارس سلطته على قضاة النيابة العامة التابعين له بمختلف محاكم المملكة، دون أن تشير إلى امتداد تلك السّلطة إلى موظفي كتابات النيابة العامة؛ وما ذلك إلا لكون هؤلاء إلى جانب زملائهم في كتابات الضبط جزء لا يتجزأ من الإدارة التي جعلها المشرّع الدستوري موضوعة تحت تصرف الحكومة حسب الفصل 89 من الدستور.
وختاما؛
هذه قراءة أولية اقتضتها الحيوية التي تلت افتتاح السنة القضائية الجديدة 2019، تلكم الحيوية التي خلقت نقاشا كبيرا لدى المهنيين كما خلقته لدى غيرهم من المهتمين والإعلاميين، أردت أن أُسهم فيه بهذه القراءة في مضامين كلمة السيد الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بهذه المناسبة، والتي طرحت آراء جديرة بأن تُناقش على ضوء النصوص التشريعية والتنظيمية، وأيضا على ضوء المعطيات الدقيقة التي أفرزتها وتُفرزها هذه المرحلة الخاصة في مسار تنزيل مشاريع إصلاح منظومة العدالة؛ لكن وقبل أن أُسدل الستار، أُثير انتباه القارئ الكريم إلى مُعطى في غاية الأهمية، يتعلق بالدلالات الضمنية للمقتضى الدستوري المحدّد لبنية المجلس الأعلى للسلطة القضائية، تلكُم البنية التي اختار المشرع الدستوري أن تكون نسبة خمسة وثلاثين في المائة من مكونات المجلس من خارج الجسم القضائي حسب ما جاء في الفصل 115، وغير خاف ما يحمله هذا الاختيار من دلالة على كون الشأن القضائي ليس شأنا خاصا بالقضاة دون غيرهم، وأنّه شأن مجتمعي بامتياز، وأنّ وجود أعضاء غير قضاة بالمجلس لا يمسّ من قريب ولا من بعيد بالاستقلالية التي وشّح بها الباب السابع بَلهَ أن تُهدَّد من طرف مكوّن آخر من خارج المجلس، وأنّ هؤلاء وإن لم يكونوا قضاة، فهم مؤتمنون كغيرهم من الأعضاء المنتمين للجسم القضائي، وبما أنّ الضامن لهذه الاستقلالية هو الملك بنص الفصل 107، فلا يمكنها إلا أن تكون مكتملة على هذا المستوى المشمول بالرعاية الملكية، ويبقى المستوى الثاني موكولا إلى القضاة أنفسهم أثناء مزاولتهم لمهامهم القضائية، وهو المستوى المؤطر بالفصل 108 وما يليه من الدستور.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.