“جلابية بوشعيب” وحقوق المسافر

0

محمد الشمسي

رافقت صديقا لي لقضاء أحد مآربه إلى مدينة الجديدة على متن سيارته الخاصة ، قضينا نصف المهمة التي تقتضي وجودي ، والنصف الباقي ستقضيه الإدارة خلال الشطر الثاني من اليوم ، لكن بحضور شخصي لصديقي ، ودون حاجة لوجودي ، لذلك استأذنته بالعودة إلى الدار البيضاء عبر إحدى وسائل النقل المتاحة ، ورغم معارضته لذلك فقد أقنعته بوجوب عودتي لارتباطي بمواعيد سبق تحديدها.

أوصلني صاحبي إلى المحطة الطرقية بالجديدة لأقل سيارة أجرة من الصنف الكبير ، وعاد هو لإتمام أطوار مهمته مع الإدارة ، لم أقم بعملية السفر بواسطة إحدى وسائل النقل لما يزيد عن 13 سنة ، منذ أن اقتنيت سيارتي الخاصة ، وحرمت نفسي من متعة هذا النوع من السفر ، بعد أن كنت زبونا مخلصا له .
تغيرت أحوال سيارات الأجرة ، انقرض الصنف الذي يوشك أن يزحف على بطنه ، وتتكدس فيه 6 من خلق الله ” شي فوق شي” ، للذكر مثل حظ الأنثى ، و ظهرت كائنات نقل جديدة وأنيقة وضخمة وهي في حجم كوخ من حديد ، وجدت المقعد الأمامي محجوزا لصاحبه الذي ظفر به ، وطوبى له لأنه سيسافر هنيئا مريئا بلا زحمة ، وخلفه كان مقعد ثان احتلتاه سيدتان وحسن فعل أهل النقل ، وفي منتهى الخلف هناك مقعد مخصص لثلاثة ركاب ، أحد الشبان احتل زاويته اليسرى ، والثاني كان من نصيبي وها أنا انحني للوصول إليه ، في حين كان الراكب الثالث وهو الذي أتممنا به النصاب القانوني للرحلة ، قد وصل إلى التو مضطربا وهو يتحدث في هاتفه بصوت شديد جبار ، واندس صاحبنا في جوف السيارة بصعوبة ، لضيق الممر ولضخامة المسافر ، دون أن يفرط في مكالمته التي استكملها مجلجلا غير مبال لضيق الفضاء .
ـ هذا بوشعيب ..بوشعيب …وايلي على شكون بوشعيب …علاه شحال من بوشعيب كاين في الفاميلة ، بوشعيب راجل نعيمة بنت زهرة ….اسمع ….اسمع دوز ليا رقية بغيتها ….
لعلها أول مرة أسمع فيها ذكرا من هذه الطينة ، يعرف عن نفسه بأنثى ، في مجتمع يحقر من ينسب لأمه حتى .
ـ آلو رقية …هذاك الراجل عندك مالو تسطا …أنا نكوليه بوشعيب وهو يكوليا شكون بوشعيب ، وشوفي سمعي راني رايح اللية عندكم والصباح نولي …..
انقطع الخط على يبدو، أو هكذا خيل لي ، لأنها ليست صيغة لإنهاء المكالمات بلا سلامات ، لكن مع بوشعيب كل شيء ممكن ، وربما أكمل حديثه بطريقته ، نظر بوشعيب الى هاتفه الصغير الذي ازداد صغرا في كف بوشعيب العريضة ، وعندما تأكد من خروج روح المكالمة فعلا ، قبض على الآلة الصغيرة وأقحمها وسط ثنايا لباسه في أحد جيوبه البعيدة ، كان بوشعيب يرتدي جلابية سوداء فيها من الرائحة الكريهة ما تعجز اللغة عن وصفه ، وقد غزت رائحة جلابية بوشعيب كل أرجاء السيارة ، والرجل لا يبالي ، فواضح أن حاسة شمه وقعت هدنة مع رائحة جلابيته ، ولأني كنت من الدول المجاورة له جغرافيا ، فقد استنفرت حواسي ، حيث ضغطت على زر تعطيل حاسة الشم بالأنف ، وقمت بتشغيل حاسة الشم من الفم صوب الرئة ، مستغلا هذا الممر الذي يفتقد لمصفاة الروائح ، حيث لا حراس على مدخله ، وقد نجحت العملية حينا لكن ليس دائما ، فقد كنت أشعر بضيق في التنفس ، فألجأ إلى محاولة تغذية الرئتين بشيء من الأوكسجين ، فإذا بي لا أعثر إلا على “كيماوي بوشعيب” ، فألوذ بالتنفس المعدي ، لم يقو أي من الركاب على التعبير عن ضجره أو قرفه لبوشعيب من رائحة جلابيته ، احتراما لمشاعر بوشعيب ، الذي لا علم له أنه يقصفنا في المشاعر والحواس معا ، كان بوشعيب كائنا ذا خلقة وهيئة جسيمة ممتلئة ، إنه ركام من اللحم الملفوف في كثير من الثوب والأقمشة ، مثل حبة البصل أو حبة القوق ، وقد أقحم يداه في دواخله طلبا للدفء في جو بارد جدا وصل الى 4 درجات من البرودة بحسب سلم هاتفي النقال ، خشيت أن تجتاح رائحة جلابية بوشعيب السائق فيفقد السيطرة علي السيارة وهو الذي يسير بسرعة 135 كيلومتر في الساعة عبر الطريق السيار ، لا وجود لأحزمة السلامة لدى الركاب ، صرنا نتمايل ونهتز مع كل اهتزاز أو منحدر .
مرت النصف ساعة الأولى من السفر أو من المغامرة ، في “انحباس حراري فعلي” ، الجيل الجديد من سيارات الأجرة لا تفتح نوافذه الجانبية ، وحتى السائق بخل علينا في تهويتنا ولو بذلك البرد القارس المتسلل ، لكن السائق وفر له فتحة توصله بأوكسجين الله ، وتركنا غارقين في أوكسجين بوشعيب .
كنت أسترق النظر لبوشعيب ، علمت أنه غير مرتاح في قعدته تلك ، إنه من الصنف العاشق للمساحات الشاسعة والبراري ، وجلوسه في ذلك الركن الذي لا يتسع لكل بنيته ، أقلقه وأضجره فبات الرجل مترنحا ، تنهد بوشعيب وليته ما فعل ، واستجمع أنفاسه و شهق وكأني به يفرغ جوف السيارة من ذرات الهواء ، ونكاد نفقد معها الجاذبية ونتطاير مثل رواد الفضاء ، ثم نفخ زفيرا مدويا شبيها بصوت ارتطام الموج على ساحل صخري ، فغشاني بحممه وأنفاسه ، و نظر من نافذة السيارة وقال :
ـ الله يرحمنا …وكررها ، الله يرحمنا ثم صمت ، فأجبته في قرارة نفسي : لو ترحمنا أنت يا بوشعيب .
وعاد بوشعيب يوضح سبب نزول دعائه بالرحمة ، دون أن يهتم لحديثه راكب : الوقت بغات الشتا ….شوف شوف الارض بدات كتصفار ( يشير بأصبع في حجم وتد ) …. الله يحفظ وصافي .
فأجبته ودائما في قرارة نفسي : فعلا الله يحفظ لكن من قيء بدأ يراودني .
لم أعلم أكان المنخفض الجوي لبوشعيب قد اجتاح كل أرجاء سيارة الأجرة ، أم شملني وجاري دون غيرنا ، لكن الذي علمت به أن الراكب على يساري بدوره نفذ منه الصبر ، ولم يعد يقوى تحمل وزر جلابية بوشعيب والتي كلما افتقدت للتهوية كلما نشرت شآبيب رائحتها ، وحده بوشعيب غير مكترث لما خلقه للركاب من “عنف تنفسي” .
نحن على مشارف الدار البيضاء ، كنا مثل بحارة تائهين في أعماق المحيط ، فلاحت لهم اليابسة ، وسارعت للهبوط في مدخل الدار البيضاء ، ليس هربا من بركان بوشعيب ، لكن لأن المكان مناسب لي لأقل سيارة أجرة ثانية توصلني الى حيث أنا ذاهب ، وانسللت من قرب بوشعيب الذي استأذنته للخروج ، فلم يدار جهدا في لملمة إحدى ركبتيه العملاقتين ليفسح لي المجال وأنزل ، وأخليت المكان لبوشعيب كي يتشتت فيه كما يشاء .
كان سفرا ممتعا قررت تدوينه قبل أن تفوتني علامات الشفاء منه ، لن أرى بوشعيب ثانية على ما أعتقد ، لكن طيف جلابيته سيظل في مخيلتي ، وأدركت أن سيارتي الخاصة فوتت علي الكثير من طرائف السفر عبر وسائل النقل ، فالعالم يتغير وبوشعيب
ينعم بعالمه وسط جلابيته ، وحمدا لله أن السفر لم يكن في اتجاه وجدة أو تازة ، فلربما كنت سأدمن على رائحة جلابية بوشعيب ، وقد أشعر بالدوار والوجع ما لم أشتم طيفها .
كان الله في عون السيدة رقية وأسرتها التي ستستضيف بوشعيب ليلة كاملة ، لا أدري ما ستخلفه جلابية بوشعيب من خسائر .

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.