التجنيد : شرف خدمة الوطن

0

محمد الشمسي

لا حديث في هذه الأيام سوى عن قانون الخدمة العسكرية التي تم إقراره ، الأمهات والآباء يضعون الأيدي على القلوب المرتجفة ، خوفا على فلذات أكبادهم من خدمة وطنهم ، وآخرون يُغلفُون جُبنهُم بكونهم لا يحصلون على حقوقهم في وطنهم حتى يقوموا بواجب الدفاع عنه ، وثالثون يدارون خذلانهم لوطنهم بمبرر أنه يتعين استدعاء أبناء الأغنياء في مقدمة المجندين ، ورابعون هاموا يبحثون عن ثغرات القانون الجديد ليفروا من الخدمة المعنية .

وبغض النظر عن التفاصيل المحيطة بالقانون المذكور ، وبغض النظر عن الغاية منه ، أهي إعادة تأهيل شبابنا الجامح أم إعداد جيش احتياطي ، أم رفع منسوب الوطنية لديه ،أم كل هذا دفعة واحدة ؟، يمكن القول بأن قانون الخدمة العسكرية هو مناسبة لكل مواطن ومواطنة تسري في عروقه روح الوطنية ، لرد شيء من فضائل هذا الوطن عليه ، هو قانون يمنحنا جميعا فرصة رسم قبلة على جبين بلدنا الحبيب ، البلد الذي منحنا الهوية ومنحنا الدفء ومنحنا الماء والهواء ومنحنا نعمة الانتماء ، في وقت نعاين فيه أقواما بلا أوطان تعيش حالة شتات و تيهان ، يشترون أيام الإقامة غرباء في بلد الغربة ، إنها مناسبة لنتأمل مع أنفسنا الفرق بين الوطن كرقعة جغرافية بأرضها وتربتها وبحرها وجبالها وصحرائها ، حضنتنا وآوتنا في كبرياء ، وبين قوم متسلطين على رقابنا ورقبة وطننا يسرقونه منا، و يحتلونه احتلالا ، و يستنزفون خيراته ، ويمتصون معها مستقبل الأجيال ، هؤلاء مجرمون فساق فاسدون ، لا ينبغي لجرائمهم و لفسادهم أن يعمي أبصارنا عن عشق وطننا حتى الشهقة المستفيضة ، بل يتوجب محاربة تلك العصابة ويكون حب الوطن أول سلاح نشهره في وجوههم البشعة .

وقد سجلت بأسف نفور الجل من الإقبال على التسليم بقانون التجنيد ، فأما من يدعي أنه لا صلة له بوطن يعيش فيه الحرمان بلا منافع ، فذاك لا يشفع له صم الأذنين وتجاهل نداء وطنه ، فالواجب تجاه الوطن مقدم على التمتع من عدمه في نعم الوطن ، وإلا دخلنا رحبة “الحب المأجور” ، وهذه شيمة بائعات الهوى ممن يعشقن بقدر العطاء ، وأما من يشترط ان يكون الانخراط في الجندية شاملا لشباب الأغنياء قبل شباب الفقراء ، فهذه بدورها حجة باهتة ، لأن خدمة الوطن تاج لن يضعه فوق رأسه سوى الأبطال الأحرار ، وما يضنينا إن كان أهل الشباب الأغنياء يريدون حرمان أبنائهم من نعمة شرف خدمة الوطن ، وما بالنا إذا أراد الله أن ينزع من قلوبهم حب أوطانهم ، ويلهيهم بجمع المال الذي سيؤول الى ورثتهم من بعدهم بلا قيم ولا مبادئ ، وأما القول بأنه قانون يستثني أهل السوابق العدلية ، وأن هؤلاء هم الأولى بالخدمة العسكرية علها تقوم اعوجاجهم ، فوجبت الإشارة إلى أن شرف الخدمة في الجندية لا يطاله الحثالة المنحرفون من الشعب ، فإذا كان لا يدخل مساجد الله سوى أهل التقوى ، فلن يحظى بشرف خدمة الوطن سوى الأنقياء روحا وسجلا وبدنا .

في المحصلة ربما يكون التجنيد الإجباري خير علاج لموجة هائجة من شباب يعيش فراغا يقابله ضعف التكوين العلمي والتربوي والأخلاقي ، مع ما يقوم به الشارع من “تغراق الروايض ” ، دون أن يفلح الوازع الديني في ملء الفراغ ، لأننا نتدين على الطريقة الخطأ على ما يبدو ، حيث يتدين شبابنا إما غلوا فيشهرون السلاح ضد أوطانهم ويقتلون إخوانهم ، أو يهجر بعضهم الدين ويتركه إلى خريف العمر كما ورث ذلك عن واقع مزيف يتلقى تدينا منحرفا عن النسخة الأصلية ، وهذه الموجة الفائرة من شباب تطرف في تفسير الحرية و الإنجرار خلف “موضة الحضيض” ، حيث ارتدى لباسا وما هو بلباس ، للذكور كما للإناث ، مزقوا سراويلهم وتركوها تحت الوركين حتى انكشفت السوءات ، ووصلوا إلى الجماجم فعاثوا بحلاقتها عبثا ، بين من ضفر الضفائر وتركها تتدلى بين كتفيه ، وآخر قص نصف الرأس وعفا عن الباقي ، وثالث جز الجنبات وخلا القمة متدلية ، وجاءت المخدرات أشكالا وأنواعا ، ثم جاء عالم الانترنت بهواتفه الذكية وعالمه اللامتناهي من كل أصناف الشرور المحفزة للانحراف ، لينزعوا منا شبابنا وبناتنا إلى الأبد .

ألا إن وَهَنا أصاب الكثير منا ، ألا إن جشعا بات يطبق على عيوننا وأبصارنا ، فهل كان الكثير منا سيعتبر الخدمة العسكرية رجسا لو أن الراتب كان مغريا ؟ ، ألن تتزاحم الطوابير وتتحرك هواتف الوسطاء و “المعارف” لضمان المنصب ؟ ، ألا إني استشعر فكرا استحكم في العديد منا وبيننا يقود نحو هدم أركان الوطن ، بل ينذر بانهيار تام له ، فمنذ متى تردد المغربي الأصيل في الدفاع عن وطنه ؟ ، أقول قولي هذا وكلي حسرة على عامل السن الذي لم يعد يسعفني في نيل شرف التجنيد من أجل وطني الذي أعشقه بلا مقابل وبلا تزلف وبلا حدود ، فاللهم قنا شر عقوق الوطن الذي لا يختلف كثيرا عن شر عقوق الوالدين .

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.