القاضي ليس “ابن بيئته” بل هو “ابن قانونه”

0

شدني وصفان قال بهما كل من وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان الأستاذ مصطفى الرميد ، وكذا رئيس النيابة العامة الأستاذ محمد عبد النباوي ، من أن القاضي “ابن بيئته” ، وذلك في إطار تعقيبهما على ما خلفه حكمان قضائيان صدرا عن غرفة الجنايات باستئنافية الدارالبيضاء ، أولهما في حق نشطاء الريف ، وثانيهما في حق الصحفي حميد المهداوي ، وقد قلبْت الوصْف الذي مُنِح للقاضي فوجدته غريبا عن القاضي ، فالقاضي كمواطن وكإنسان يسري عليه ما يسري على باقي الناس والمواطنين من أمور جِبِلية ، وهو في هذه الحالة ابن بيئته ، من حيث تأثره وتأثيره في محيطه ، من حمولته الثقافية ومعرفية ومن تجارب ومن تفاعله مع وسطه بداية من طفولته ونهاية بعمره الذي هو عليه كقاض مرورا بشبابه ومسيرته التعليمية ، ووضعه الاجتماعي في وسطه الأسري وغيرها من المؤثرات ، لكن حين يشرع ذلك الإنسان القاضي في ممارسة مهام القضاء ، فهو يتجرد من “بيئته” تلك ، ولا يحق له استحضارها ، وعندما يختلي القاضي رفقة أعضاء هيئته إن كان الملف جماعيا أو بمفرده في تأمله إن كان الملف فرديا ، فلا يستحضر القاضي هاهنا غير شروط محددة ليس من بينها “بيئته” ، فهو يستحضر أولا مدى إلمامه الشامل الكامل المانع بكل ظروف القضية وحيثياتها ، وهو لا يحجز ملفا للمداولة إلا إذا كان قد أحاط به من كل جوانبه وقائعا وقانونا ، ثم هو يستحضر ثانيا ترسانته القانونية ، ويخرج أسلحته الفقهية والقضائية ، ومدى اطلاعه على العمل القضائي ، وإلمامه بمختلف التوجهات والأحكام الصادرة في ملفات مشابهة للمعروض عليه ، والتأويلات التي يقبلها النص القانوني بما يجعل إسقاطه على الواقعة منسجما ، ثم ثالثا وأخيرا ضميره المهني ، وحجم المسؤولية الملقاة على عاتقه ، ومن أنه مطالب بإصدار حكم استنادا الى القانون لا غير ، ثم هو يستحضر وازعه الديني من أن الله يراه ، ـ إن كان يدين بدين سماوي ـ ولو أن تحقيق العدالة غير مرتبط بالتدين دائما ، يكون حكما معللا التعليل الكافي الشافي ، وليس حكما منصفا أو مجحفا فذلك لا يعني القاضي في شيء ، والقاضي لا يهتم لردود أفعال حكمه القضائي ، بقدرما يهتم بإخضاع حكمه لمجهر القانون ، وأما القول بأن القاضي “ابن بيئته” حتى وهو في خلوته يدبج حكمه ، فهذا يتنافى مع مهمة القضاء ، فالقاضي لا يحكم إلا من خلال ما بين يديه من وثائق ، ومن خلال ما راج أمامه ، ومن خلال ما اقتنع به اقتناعا خالصا ، وهو غير معني بما يمكن أن تفرزه أحكامه من ردود الفعل ، ففي كل يوم يكسب القاضي أعداء وأصدقاء في حدود نصف عدد الملفات التي يحكمها ، ثم لأن القاضي ليس سياسيا يزن الأشياء بميزان التوقع ، أو يتحسس ردات الفعل ، بل إن القاضي يزن الأشياء بميزان القانون الذي هو رهينه ، فمهما توسعت حرية القاضي وحقه في إعادة التكييف والحكم ، فيده مغلولة بقانون لم يساهم في سنه ولا تشريعه ، وهو مطالب بتطبيقه ، لذلك فالقاضي لا يحكم بمزاجه ولا بمشيئته ولا برغباته ولا تأثرا منه ببيئته ، فيكون في استحضار القاضي ل”بيئته الأم ” التي هو ابن خالص لها وهو يصدر حكمه ، خروج منه اعن مسار العدالة والقانون ، ودخوله في متاهة “بيئته” ، وهو شرط لا يعني المجتمع في شيء ، فالقاضي لا يوزع رحمته على المحالين عليه بسخاء فوضوي ، وهو لا يحقد على متهم أو ضحية لسبب شخصي ، فظروف التخفيف والتشديد أوردها المشرع على سبيل الحصر ، وهو لا ينساق مع الحملات الإعلامية التي تواكب بعض الملفات ، وهو لا ترهبه مواقف الأحزاب والنقابات والجمعيات والمسيرات والوقفات الاحتجاجية من أجل ملف معروض عليه ، وعموما لا يمكن للقاضي أن يتأثر بأي مؤثر خارجي عن القانون الذي هو مطالب بتنفيذه والحكم استنادا عليه ، لكن ثمة أوصل فقهية توصي القاضي بأن “الخطأ في البراءة أفضل من الخطأ في الإدانة ” ومن أن ” تبرئة مائة مجرم خير من إدانة بريء واحد ” ومن أن “الاجتهاد في البراءة خير من الاجتهاد في الإدانة ” وغيرها من القواعد ، فالقاضي يا سادة يا كرام هو “ابن قانونه ” و”ابن مسطرته” ، ومن يزعجه حكم القاضي فلا يحيل عليه ملفا ثقيلا بوسائل إثبات أثقل ، وحلوا مشاكلكم بعيدا عن “قانون القاضي” ، والله أعلم .

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.