المشكلة أكبر من خلاف حول حكم قضائي …

محمد شمسي

0

المشكلة أكبر من حكم قضائي يراه بعضنا قاسيا ظالما صادرا عن قضاء غير مستقل ، ويراه ثانينا مخففا لم يصل إلى حد ما تنص عليه فصول المتابعة ، ويراه ثالثنا عادلا من قضاء مستقل ناقش الملف لما يزيد عن سنة في محاكمة عادلة ، والحلول ليست في البلاغات والتصريحات ونقيضها ، وفي توصيف الحكم بين المنصف والمجحف ، منبع العطب هو في نوعية “السواري” التي تقوم عليها مؤسسات البلد ونوعية صلاتها ببعضها ، وأصل المشكل هو في طبيعة الجسر الذي يربط بين والدولة و الشعب والأحزاب و السلط الثلاث ، وكل المؤسسات والإدارات العمومية والشبه عمومية وحتى الخاصة ، هل هي علاقة وطيدة و متينة موصلة لخيوط الدفء والثقة المتبادلة بين تلك الأركان ؟ ، أم أنها لا تعدو أن تكون جسورا أهون من بيت العنكبوت ، وأن كميات كبيرة من الرطوبة أصابت أسلاك تلك العلاقة بالصدأ والتآكل ؟ .
إن كان على الدولة فلها سوابقها الثابتة في القمع وتسخير كل إمكانياتها للبطش ، بما في ذلك توظيف القضاء للقضاء على أفكار “المغضوب عليهم” ، وقد أقرت الدولة بالمنسوب إليها دون أن يحاسبها أحد ، وأنشأت هيئة للإنصاف والمصالحة وقتما شاءت ، واشترت من بعض الضحايا صلحا دفعته لهم نقدا من المال العام ، وليس من مالها الخاص ، وإن كان على الشعب فهو كائن ذو وجهين ، يطالب بالديمقراطية لكنه يبيع صوته في الانتخابات ، ويسمح للسماسرة بالوصول على أنقاضه إلى التحكم في مصيره ، وهو شعب متورط في ما يصيب البلد من جرب تنموي وديمقراطي ، ولعل تركه الأمية تنهش أجياله خير مساهمة منه في تفشي الوباء ، وإن كان على الأحزاب فقد قدمت استقالتها وسلمت مقصورة قياداتها للأسر والعائلات والمصالح ، علاقتها بالشعب كعلاقة المطلق بطليقته ، يجمعهما موعد الحملات الانتخابية ، مثل يوم صلة الرحم بالمحضون ، أحزاب تتلى عليها مضامين بياناتها وتواريخ مؤتمراتها ، تستدعي الأعيان من أهل الثروات القذرة للوصول إلى قلب القرار ، وإن كان على السلط الثلاث و الفصل غير المكتمل بينها ، وعن النقابات والإدارات العمومية والشبه العمومية وحتى الخاصة ، فهي مرآة عاكسة لتلك الدولة مع ذلك الشعب ولتلك الأحزاب.
فإن كان قضاؤنا مستقلا ونؤمن باستقلاله طوعا وليس كرها أو نفاقا، فإن هذا القضاء قال كلمته ، ولا راد لكلمة القضاء إلا بالطرق المحددة قانونا ، وإن كنا نشكك في قضاتنا ولا نثق في أحكامهم ، فهم فاسدون تابعون سواء أصدروا حكما بالبراءة أو الإدانة .
وحتى دستور 2011 الذي اعتبرناه المخلص لنا من آثام سابقيه من الدساتير، فهو يجرم في الفصل 109 منه ، كل تدخل في القضايا المعروضة على القضاء، ويضيف أنه لا يتلقى القاضي بشأن مهمته القضائية أي أوامر أو تعليمات ولا يخضع لأي ضغط ، وفي الفقرة الثانية من نفس الفصل أوجب على القاضي انه كلما أحس بأن استقلاله مهدد أن يحيل الأمر إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية ، واعتبر هدا الدستور أن كل إخلال من القاضي بواجب الاستقلال والتجرد خطأ مهنيا جسيما بصرف النظر عن المتابعات القضائية المحتملة، كما تم التنصيص في نفس الفصل على انه “يعاقب القانون كل من حاول التأثير على القاضي بكيفية غير مشروعة “.
في المحصلة ، إما أننا نبني مستقبلنا الجماعي بالإرادة والطموح والصدق ، ويتوجب علينا هنا الالتزام بما نبنيه وما نتخذه من قرارات ، وإما أننا أطفال يلعبون بالرمال يشيدون قصورا في غفلة من الموج ، و”نشخبط شخابيط “على الورق لنكتب ما يشبه الدساتير والقوانين ، لكن حتما ستزحف موجة يوما ما لتنسف أوهامنا ، وينهار ركامنا فوق رؤوسنا .

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.