محمد الشمسي يكتب ” فأما من خفّت موازينه “

0

تعالت رسائل التحريض على مقاطعة موازين ، وحاول ” مالين المهرجان ” التخفيف من حدة تلك الدعوات ، داعين إلى أن موازين من الشعب و إلى الشعب ، دون أن ينعتوا الراغبين في مقاطعتهم بأي نعت قد ينسف حفلهم العالمي ، فهل تنتصر دعوات المقاطعين فترى منصات موازين خاوية على عروشها ، وكأن الله أمات أهلها مائة ألف عام ، ولا يبقى منها إلا مغنون ومغنيات وجها لوجه مع كراسي فارغة ؟ ، أم أن عشاق موسيقى موازين ” يشدهم الحال ” ، وطبعا “الحال ما يشاور” ، فتراهم مهرولون نحو تلك المنصات جماعات ووحدانا ، يدفعهم “حالهم” ، ولسان حالهم يقول ” ساعة الزهو بقطيع الراس” ؟.
والواقع أن لدعوات مقاطعة موازين نصيب كبير جدا من الصواب والوجاهة ، فالبلد يغلي ويفور ويوشك أن يفيض ، والحاجة ملحة إلى فتح نقاش مجتمعي وطني هادف وهادئ وعاجل ، لتجاوز حالة الاستياء والاحتقان ، ولعل ليالي “الشطيح والرديح ” هي آخر ما يحتاجه شعب تآمرت عليه الشركات خلف الستار ، وهو محروق بلهيب الأسعار ، ومجروح ببنيات تحتية متأرجحة بين ضعيفة ومنعدمة ، لتكون الموسيقى و”النشاط ” في ذيل متطلبات شعب عراه واقعه المرير وأعياه ، وتعيد دعوات مقاطعة المهرجان الغريب النسب ، طرح مفهوم الثقافة والفن في المجتمع المغربي ، فالفن السائد حاليا هو “فن غير نظيف ” ، هو فن متعفن مرتبط بالريع والرداءة ، رسائله مخربشة منحلة معطوبة ، لا وجود فيها لابتلاءات المواطن ، واصطفاف “اشباه الفنانين” في طابور الإسفاف والانحلال ، وبروز جيل من “فناني الشبكة العنكبوتية ” ممن قفزوا على مدرسة الفن وبرعوا في ” أنكر الأصوات” ، مع كثير من “الطيران والنزول ” ، فوجب محاكمتهم بجريمة “انتحال صفة فنان ” ، والحكم عليهم ببلع ألسنتهم ، ورمي سخافاتهم في مزبلة التاريخ ، كما يطرح النقاش مفهوم الثقافة ، حيث يسعى بعض “التجار” إلى طرح الثقافة في “رحبة البيع والشرا” ، بعد أن توارى المثقفون الحقيقيون إلى الخلف ، أمام زحمة “ربائب الثقافة” ، الذين يعانون “تثقاف ثقافي” يتوجب عليهم ليس فقط فرقعة قطع “اللدون ” عند أقرب دجال ، بل تفجير قنينة غاز من الحجم الكبير تحتهم ، لإراحة مسامعنا من لغطهم .
ولعل المتحمسون لمهرجان موازين هم جماعة من اثنين ، إما أنهم ينتفعون من فعل ثقافي مزيف ، فيجنون المال على أنقاض ما يسمونه بهتانا ب” الثقافة” ، أو أنهم قوم مصابون بعمى المفاهيم ،يحسبون الضجيج إيقاعا ، و”التبراح” غناء ، والسباب ومعجم الزنقة كلمات ، لذلك يجد الداعون إلى مقاطعة موازين أكثر من حجة وسند لإنجاح دعواتهم ، فصحيح أن الفعل الثقافي أو الفني ليس ترفا ، وهو لا يختلف عن فعل الأكل والنوم والعمل ، لكن صحيح كذلك أن ما يسوق له ” أهل موازين” في مهرجانهم هو نسخة مزيفة لمعنى “الثقافة” ولمعنى “الفن” ، فليس من الثقافة والفن في شيء أن تنظر إدارة موازين للمغاربة بنظرة دونية و تحقيرية ، حيث تحسبهم أعدادا بشرية لا تصلح إلا للتجمهر في منصات موازينهم وبالآلاف ، وملئ المساحات الأرضية لقياس كثافة جماهيرية تترنح وترقص وتتمايل مثل “الزومبي” ، و لتقيدهم أدارة موازين في نهاية حفلتها أرقاما في سجلها الختامي ، وتقدمه عربون نجاح ممسوخ ، كلف مالية الشعب القناطير المقنطرة من ملايين الدراهم ، لعل المدارس والمستشفيات والطرقات أولى بتلك الثروة المنهوبة ، و من يتهم هذا القول بالشعبوية ، يكون هو مجرد “ساكت عن الحق” أو داعم للظلم .
عندما نتلمس تاريخ الأمم التي داع صيت فنونها ، ولا يزال العالم “المتحضر” ينهل من ثقافاتها ، نجد ثقافاتهم وفنونهم شكلت قشدة مستوى عيشهم ، وأما الأمم البدائية فكانوا يحيطون أفواجا بشعلة النار ، يرقصون طمعا في أن تجود عليهم السماء بغيث ، يضمنون به خبزا وورق شجر يسترون به سوءاتهم ، لذلك تبقى كفتا المهرجان المغربي مختلتين ، إبرتهما تائهة بين “زبون” جائع محروم مقموع ، يبكي بدل الدموع دما ، وبين “شلاهبية ” رهنوا الفعل الثقافي ، وأخذوه وغلوه وفي علبة ذرعها سبعون كذبة غلفوه ، وأرادوا به حذف مشهد شعب ينزف ، واستبداله بواقع شعب يريدونه أن يرقص ويرقص و يرقص ، بدون إيقاع وبلا إحساس .

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.