شمسي يكتب: المتغير و الثابت بين بوعشرين وثابت

محمد شمسي

0

وكأن التاريخ يعيد نفسه ، نفس نوعية التهم ، نفس الطريقة ، ونفس المحكمة ، وربما نفس القاعة ، ونفس الضجة ، ونفس ردات الفعل ، فبمرور قرابة ربع قرن من الزمن ، على واقعة عميد الشرطة ثابت ، عادت واقعة الصحفي بوعشرين على نفس الخطى ، فما هي نقط تماس الواقعتين ؟ ، وأين تلتقيان ، وأين تختلفان ؟ :
تتشابه الواقعتان من حيث ارتباطهما معا ب”الجنس” ، ومن حيث إن “الضحايا” في الواقعتين كلهن نساء ، ومن حيث إن وسائل الإثبات في القضيتين هي أشرطة وأقراص “يقال” أن المتهمين ظهرا فيها عراة يمارسان الجنس على نساء طوعا أو كرها ، كما تتشابه الواقعتان من كونهما تفجرتا بشكايات ، وتتشابهان من كونهما تحالان على غرفة الجنايات ، بل وتشاء الصدف أن تنظر نفس المحكمة ـ وليس نفس الهيئة ـ في النازلتين ، وتتشابهان كذلك من حيث الضجة التي خلفتاها ، وما صاحبتهما من قراءات وتأويلات ، ما بين احتمال ” وجود المؤامرة للقضاء على المتهمين ” ، وما بين جريمة بشعة تستوجب العقاب ، لارتباطها باستغلال سلطة الفاعل وفقر المفعول به ، ثم إن الواقعتين معا امتازتا بمكانة ووضعية “المتهمين ” ، فأما ـ المرحوم ثابت ـ فكان رجل أمن برتبة عميد خلال بدايات التسعينيات في عهد كانت فيه سلطة البوليس فوق السلط ، عندما كان الوزير القوي ادريس البصري يجمع بين حقيبتي الداخلية والاعلام ، وفي عهد بات اليوم يوصف بدون شعور بأدنى “حياء” بسنوات الرصاص ، وأما توفيق بوعشرين فهو صحفي مقتدر، في مغرب العهد الجديد ، ومغرب الدستور الجديد ، اتخذ من انتقاد النظام المغربي بكل مؤسساته سنة مؤكدة في افتتاحيات جريدته الحارقة .
وأما نقط اختلاف النازلتين فبدورها متعددة ، تبدأ من المناخ العام السائد في البلد بالنسبة لكل نازلة ، فقضية العميد ثابت ، كانت فيها الأجواء السياسية والقانونية والحقوقية متشنجة ، فسياسيا كانت غيوم من القمع والتسلط تسيطر على جل سماء المملكة ، ولم يكن حتى تصور تنظيم وقفة احتجاجية أمام محكمة أو في ساحة عمومية ، كما كانت المعارضة المغربية تعيش فترة قوتها وشبابها ، وهي ترفع سقف مطالبها إلى ما لا يروق البلاط الملكي ، في حين تجري محاكمة توفيق بوعشرين في أجواء منفرجة حقوقيا وسياسيا ، بعد إنشاء مؤسسات دستورية تعنى بحقوق الانسان ، على مستوى وزارة خاصة بهذه الحقوق ، او على مستوى مؤسسات دستورية موازية ، وأما على المستوى القانوني جرت محاكمة العميد ثابت بحكم جنائي نهائي غير قابل للطعن فيه بالاستئناف أمام الغرفة الجنائية ، واكتفى العميد ثابت بالطعن في الحكم الصادر في حقه بالطعن بالنقض ، في حين تغيرت المسطرة وباتت احكام الغرفة الجنائية قابلة للطعن فيها استئنافيا ، كما أن الاختلاف بين الواقعتين يظهر من خلال متابعة العميد ثابت رفقة عدد آخر من المتهمين ، منهم من ساعده على اقتراف المنسوب اليه ، أو من لم يبلغ عن أفعاله ، في حين يمثل توفيق بوعشرين بمفرده في قفص الاتهام ، بلا شريك ولا مساهم رغم خطورة ما سطره الوكيل العام في حقه ، كما يظهر الاختلاف من حيث إن متابعة العميد ثابت اقتصرت على فصول القانون الجنائي ، في حين توبع توفيق بوعشرين إضافة الى فصول من القانون الجنائي ، بفصول من القانون رقم 27.14 المتعلق بمكافحة الاتجار في البشر الذي تم سنه سنة 2016 ، ثم يظهر الاختلاف بين الملفين في العقوبة المقررة في المتابعين ، ففي الوقت الذي كانت عقوبة الاعدام ضمن العقوبات التي تنتظر العميد ثابت ، فإن أقصى عقوبة تنتظر بوعشرين بحسب فصول المتابعة هي عشرون سنة ، وهي تلك المرتبطة بجناية الاتجار في البشر ، (الفصل 448.3) ، ويتجلى الاختلاف في شح المعلومة خلال محاكمة العميد ثابت ، مع نذرة وسائل الإعلام آنذاك ، واقتصارها على الصحافة التقليدية التي وجدت في قضية ثابت فرصة لتصفية حساباتها مع جهاز الأمن المتغول آنذاك ، ونشر غسيله على صفحاتها ، أما قضية بوعشرين فجاءت في ذروة ثورة تقنية معلوماتية عبر شبكة الانترنت التي جعلت من كل مواطن يشكل وكالة أنباء متكاملة الشروط لا ينقصها سوى المهنية ، فبات الخبر أحيانا يسبق الحدث .
على أن أهم اختلاف بين القضيتين يكمن في أن القضاء الذي بت في قضية العميد ثابت كان تابعا لوزارة العدل ، وفي أحسن وصف كان القضاء حينها يتمتع بحكم ذاتي شكلي ، أما قضية بوعشرين فتأتي في ظل حصول السلطة القضائية بشقيها قضاة النيابة العامة وزملائهم قضاة الحكم على استقلال تام وكامل ، فهل سيقوى القضاء في حلته الجديدة على تحقيق الإنصاف في محاكمة يختلط فيها القانوني بالسياسي بالحقوقي ، باختلاف زوايا المعالجة لكل طرف ؟.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.