على من اعتدى بوعشرين ؟

د .شمسي

0

عندما تحدثت وسائل إعلام أن عناصر من الفرقة الوطنية ، بما تحمله العبارة من معنى ، قامت بمداهمة مقر جريدة “أخبار اليوم” واعتقال توفيق بوعشرين من داخلها ، لم يكن أكثر المتفائلين يتوقع أن يتعلق الأمر في نهاية المطاف بمجرد شكايات لمواطنين عاديين ، كانت الأيادي فوق القلوب المرتجفة ، من أن فصلا جديدا من فصول الحرب بين الصحافة والقضاء قد أطلقت شرارتها ، حرب يخسر فيها الطرفان ، ولا ينتصر فيها سوى أعداء المغرب ، وتقارير المنظمات الدولية غير الحكومية ، التي تكتب إسم المغرب في خانة الدول التي تعاني فيها حرية التعبير ، وجاء بلاغ السيد الوكيل العام بغموضه ليرش كثيرا من الملح فوق جرح المخاوف ، ورغم أن البلاغ قطع الشك باليقين من أن اعتقال بوعشرين لا علاقة له بأعمال الصحافة والنشر ، فإن استدعاء الفرقة الوطنية لصحافيين من نفس المجموعة الإعلامية لتوفيق ، أعاد احتمال وقوف صاحبة الجلالة خلف الاعتقال ، وما لبثت الحقيقة أن اتضحت ، وتأكد أن المداهمة والاعتقال والبلاغ ، كل ذلك مرتبط بشكايات تتعلق ب”اعتداءات جنسية ” دون تحديد مفهوم “الاعتداءات الجنسية ” ما إذا كانت اغتصابا أو هتك عرض أو تحريض على الفساد أو تحرش ، ودون تحديد ما إذا كان الشكايات تشكل جناية من الطبيعي أن يصدر فيها السيد الوكيل العام تعليماته ، أو جنحة هي من اختصاص وكيل الملك .
اعتقال بوعشرين بتلك الطريقة ، ومن مقر عمله ، ودون سابق استدعاء ، ودون سابق بحث معه ، يجعل الانطباع السائد أن الملف انطلق انطلاقة خاطئة ، لأنه وببساطة تم اعتقال الرجل أولا ، ثم إخضاعه للتحقيق ثانيا ، في غياب حالة التلبس التي حدد القانون حالاتها على سبيل الحصر ، بمعنى أن عناصر الفرقة الوطنية داهمت مقر عمل بوعشرين ، واعتقلته وساقته إلى مقرها ، ووضعته رهن الحراسة النظرية ، ثم شرعت في الاستماع الى تصريحاته حول المنسوب إليه في تلك الشكايات فيما بعد ، وما ذا لو أن بوعشرين أخبر المحققين أنه كان خارج أرض الوطن تاريخ الوقائع الواردة في الشكايات ؟ ، أو أنه كان يخضع لعملية جراحية حينها ؟ أو …أو ….، كان حري أن يُستدعى الرجل كبقية خلق الله ، ويُستمع إليه في محضر قانوني ، وتتم المواجهات الضرورية ، والخبرات والمعاينات ، والاستماع إلى الشهود ، وعلى ضوء ما يسفر عليه البحث تتخذ النيابة العامة قرارها ، وقرار النيابة العامة من حيث سلطة الملائمة لا رقابة عليها فيها من طرف أي كان ، وهي لا تحتاج إلى إصدار بلاغات لتبرير ما اتخذته من قرارات ، لكن أن يوضع توفيق رهن الاعتقال ، ثم يُستمع إليه لاحقا ، فالأمر شبيه بمن أدى الصلاة ثم توضأ ، أو بمن أجاب على سؤال ثم فكر ، بوعشرين ليس كائنا معصوما من الخطأ ، لكن بوعشرين كذلك ليس من الطينة التي تُنسب إليها تهمة كتلك المشار إليها في بلاغ الوكيل العام للملك ، فالرجل يعلم علم اليقين أن أنفاسه مراقبة ، لأنه يحوز قلما حرا ، ويمتلك جرأة في نقد واقع بلده المغرب ، وهو بذلك يعتدي على مصالح الانتهازيين من مصاصي دماء وطننا الحبيب المغرب ، ويعري سوأتهم ، ويكشفهم أمام الشعب ، لكن اعتدائه عليهم ليس جنسيا ، بوعشرين صحافي في بلد تبعد فيه الصحافة عن الجريمة بملمترات ، و بوعشرين من بقايا “أهل الإعلام ” المنحازين لقضايا الوطن والمواطن ، فهو ليس من التوابع السياسية ممن ينشدون أناشيد أحزابهم ، أو أولئك الذين يغنون أغاني من يأكلون من خبزهم ، وهو ليس مريدا لشركات الإعلانات وأربابها ، وليس طبّالا ولا زمّارا يردد الرسميات ببلادة .
وما دامت الشكايات الموجهة ضد بوعشرين لا ترتبط بعلمه الصحفي ، فل لم تتم مداهمة مسكنه ؟ ، أو على الأقل مداهمة بيته بالتزامن مع مداهمة مؤسسته الإعلامية ؟ ، ثمة علامة استفهام عملاقة تشوب الواقعة ، إلا إذا كانت مداهمة بوعشرين في قلب “اخبار اليوم” المزعجة ، يحمل تخويفا للطاقم الصحفي ، وجعله يهيم في شكوكه واحتمالاته ، ورفع منسوب الأدرينالين في دواخله ، ودفع بعضهم إلى الندم على امتهان مهنة الصحافة ، أو على الأقل الندم على العمل بمعية صحافي يعبد الضمير المهني ، وفيه استعراض القوة على بوعشرين أمام طاقمه الإعلامي لتحسيسهم أن هناك من هو أقوى من قلمه ومن مقالاته ومن جريدته ومن مهنته ، ثم تبيان أن المؤسسة الإعلامية ليست حصنا يمكن الاحتماء بها ، وأخيرا إذلال الرجل وسوقه نحو مخفر الشرطة علنا ، والقول له على لسان أبي تمام :

السيف أصدق أنباء من الكتب …في حده الحد بين الجد واللعب .
بيض الصفائح لا سود الصحائف ….في متونهن جلاء الشك والريب

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.